‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكايات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكايات. إظهار كافة الرسائل

أجلس أرضا

بين العيون مسافة قريبة .. تختصر النظرات المسافات ، يكاد مُبصرنا من بعيد يرقب التحاما حان أوانه .. فجأة أهز رأسي يمنة و يسرة معلنا صحوة عقلي و اتزانه مجددا .. المكان لا يسمح بأي التحام من أي نوع ..

أقترب من أذنها .. أهمس ضاحكا .. تلحظ على مقربة منا فتاة حملقت معنا ،، عيناها تقول أنها تنتظر قبلة عشق .. همست لي بخبرها .. أخذتها من يدها .. و رحلنا بعيدا ..

هناك .. حيث رحلنا ،، أجلس أرضا .. ساقاي ممدودتان .. راحة يدي بين يديها .. الكتف إلى الكتف ، هي تجلس إلى جانبي مثل جلستي ، غير أن يدها تحتضن يدي فوق ساقيها الممدودتان أيضا .. أشم عطر الكلمات ينساب عبيره بين ثنايا الأحرف من فيها ، ألحظ في عينيها نظرات تلمع ببريق لا أعرف له اسما غير اسم الحب ..

أبحث عن شيء يجمعنا ، أرتشف قليلا من كأس في يدها الأخرى ، ثم براحة يدي أسقيها .. و أقبل بعد الرشفة حد الكأس الملتحم بشفتيها ،،

ليس بسحرٍ أن تجد الرشفة من فرط الرقة تكسوني فور ملامستي لجدار الكأس جمالا .. طربا .. أنسا ، شوقا للقبلة تأتي بعد الرشفة في فيها .. أو حتى في يدها ..

السعي لرغبة قلب يحتضن الأنثى في نهم ، يقترب بشوق .. يعترف بعشق يسكن بين الأضلع .. يقتحم بجرأته قلبا مختزنا فيها ..

هذا ما دار بفكري حين أويت لأجلس بين يديها .. و اقتربت تجلس في مقربتي .. لتحدثها بي نفسها ، و تحدثني نفسي فيها ..

[ الحكاية من وحي خيالي ]

عشق خلف أسوار الاتهام ( 2 )

الانفصال عن الذات شبح الدراما الدنيوية بين البشر ، ربما تسيطر بعض الأفكار على نفوسنا فتَطمر معانٍ عدة وتخفي في بواطن أرواحنا أشياء لا تخرج إلا حين يستحثها أمر ما.. لنكتشف حينها أننا مرضى بالوهم أو باختفاء الإرادة وضياع الذاتية ، قد يصل الأمر أحيانا إلى انمحاء الشخصية أيضا .

دخلا صالة العرض سويا ، تشابك الكفان واحتدت حرارة الأنفاس .. ارتخاء الأعصاب قد يفرط وقفتها لتصير ممتدة على الأرض لا تستطيع حراكا .. لكنه محكمٌ إمساكها بلين وقوة .. غابت كفها في يده بين لمسات الحنان و الشعور بالأمان ، مع كل لمسة نبض جديد و همس رقيق بين روحين لم تلتقي إحداهما مع صاحبتها إلا قبل دقائق قليلة .

ندرك الحب حين يباغتنا القدر به لا حين نهب نفوسنا له ، هي مستمتعة جدا بدفء كفه الحاني ، ربما تسوقها أسئلة ما بعقلها الباطن للبحث وراء أجوبة سريعة لكل ما حدث ، أتجدين تفسيرا لما أنت فيه الآن ؟ أََوَ كان القدر قد ساقك إلى مشاهدة الفيلم بغية السقوط في كف ذلك الفتى ؟ لكنه ليس سقوطا .. أو أنكِ تسرعتِ في اتخاذ قرارك ، عينك خانتك سريعا لم تفعلي ما كنتِ تقسمين عليه طيلة دهرك ؟ أَوَ تكون شباك الرجال محكمة حد القوة التي تجبرنا على السقوط من اللحظة الأولى ؟ سقوط مرة أخرى .. يا نفس هذه متعة وليست سقطة .

كل ذلك كان في بضع ثوان .. أفاقت على صوته يتحدث بهدوء مع جاره في مقاعد الصالة ( لو تكرمت معلهش معايا بنت عمتي ومش هينفع تقعد بعيد عني لو تتبادلوا الأماكن أكون ممنونك .. ) ، كأنها تسهيلات القدر ، كان متوقعا أن يطول الحديث من أجل المقعد خاصة و أن طلة جاره ذاك لا تنبئ بخير أبدا .. لكنها الآن ستجلس إلى جواره فعلا .

سألته بذكاء الأنثى ( هو انت قلتله بنت عمتك ليه ده انت لسة شايفني حتى ) ، أجابها بذكاء أوسع من الذي تحمله في نفسها ( ما أنا مش هقوله أختي يعني ، و لا انت رأيك ايه ) .. أتبع حديثه ابتسامة رقيقة فهمت منها مغزى كلامه .. استقرا مكانهما .. و بدأ العرض مجددا لاستكمال بقية أحداث القصة .

حيرتها بين المكوث في أحضان الأفكار التي تجمعها به وتحسس كفه واستنشاق أنفاسه أو العودة للتفكير في ماهية القصة المعروضة ، كأنها انسحبت من رداء روحها ولبست رداء روحيا آخر ، حتى نظراتها إلى الشاشة لم تكن بذلك الإمعان الدقيق الذي كان قبل أقل من نصف ساعة ، تلتفت إليه كل حين لتجده يشاركها النظرة مبتسما .. تطأطئ رأسها خجلا و تتصنع عدم الاهتمام وتدير رأسها عنه إلى الشاشة .

لا إرادية وعفوية جعلت للحظة نكهة رائقة .. كسياسة الأطفال تماما براءة خصبة وإحساس دافئ ، هي لم تعرف لنبض القلب إحساسا مثل هذا قبل اليوم .. يختلف كثيرا عن إحساسها بذلك الذي يدّعون أنه ابن عمها ، شتان بين حلاوة النظرات واللحظات الآن وبين ما تعانيه مجرد أن يذكر اسم ابن عمها .. لمرتها الأولى تعرف أن للمغناطيس قوة جذب قوية حينما تختلف الأقطاب .

تتابعت فصول العرض ، مغرمة ذلك البروفيسور أضناها ما هو فيه وما حل بها إثر ضياع الملامح الأصلية في نفس الرجل الذي تحب ، حتى أنه لا يذكر أصلا إن كان يوما عرفها أو أنها مجرد فتاة عابرة قد يكون لها في حياته عدة مواقف و حسب .

مشهد مطول جمع البروفيسور ومغرمته في موقف أبكى الصالة كلها .. قرر ذلك المفصول عن شخصيته الحقيقية أن ينهي ما يراه هراء ( صدقا أنا لا أتذكر شيئا بيننا ، لا أعرف من ذلك الأحمق الذي دفع بك إلي و أوهمك بأني جاهل صغير يمكن أن يخترع الكبار له قصصا يوهموه بصدقها ليعيش معهم فيها متقمصا شخصية البطل الكذاب .. اسمحي لي .. لست أنا ذلك الأبله ) .

انتابها شعور قوي بأن أعيرة البروفيسور النارية تخترق قلب مغرمته تلك كما لو كان الأمر حقيقيا فتسيمها كل ألوان العذاب ، في لحظة شعرت هي أيضا أن كلماته تخترق كيانها كرصاص مندفع لا يدع لها مُطْلِقُهُ مساحة زمنية للهروب أو الاختباء بعيدا عن نيرانه .

فورا جذبت يدها من بين كفيه .. ارتعشت بشدة .. انهمرت دمعات متوالية مع صوت الأنين الذي سمعه قبل فاصل الربع ساعة .. أدرك أنه تأثير المشاهد التي رأتها .. حاول أن يربت على كتفها .. أن يحتضن كفها .. أبعدته بشدة ، تعجب من تغير التعامل بين دقيقة وأخرى .. أخرج مناديله المعطرة .. لم يفكر أن يقترب من عينها كي لا ترده لمرتها الثالثة .. فقط وضعها في يدها .. نظرت له بنصف عين ( و متمسحليش انت ليه .. بتقرف سعادتك ) .. علت فوق حاجبيه علامات تعجب مفرطة .. ألم أقرب كفي منك و أبعدتيه الآن .. الآن رفضتي أن يضم كفي كفك ؟! لم تنتظر كثيرا ، جذبت حقيبتها ، قامت خارجة بسرعة من صالة العرض .. انتبه الجالسون حولهما لما كان لكن المتابعة أخذت الجميع عن التهكم أو التعليق على ما كان .

لحق بها .. يحاول نداءها .. هو إلى الآن لم يعرف اسمها .. لم يأخذ منها وسيلة ملموسة لاتصال مستمر بعد ذلك ، ويحك .. أتكون لحظات مرت هكذا و فقط .. استمر في ملاحقتها حتى التفتت إليه .. سلمته مقصوصة ورق أوقفت بعدها سيارة أجرة و اختفت من أمامه في لحظة .

فتح قصاصة الورق وعينه لم يرفعها عن سيارة الأجرة حتى اختفت تماما ، رقم هاتفها .. لكنها لم تكتب له اسمها بعد ، جيد .. المهم أنها لم تنزعج حد الهروب .. بداية غريبة ولحظات تردد أذهلته .. لكنها كيان أعجبه كل ما فيه بشدة ( مجنونة جدا بس رقيقة قوي ) .

نظر لصالة السينما .. لن أكمل الفيلم بدونها ، ثم قفل سائرا في طريقه ممسكا بورقتها ، مع خطوات قدميه يسترجع عقله تلك اللحظات التي لم تطل أكثر من نصف ساعة أبدا .. استجمعت نفسه دفء روحها حتى كاد قلبه يقتلع من مكانه .. لم ينتبه لشيء حينها سوى أن يعود بالزمن قليلا ليراها .. ليمسك يدها مرة أخرى .. ليشم أنفساها الأنثوية العطرة .. التوت قدمه فجأة وسقط مكانه .. يبدو أن شباك الأنثى هي التي تسقط الرجال فورا دون أدنى تفكير أو حسبة لأي أمر .

يتبع الجزء ( 3 ) .

عشق .. خلف أسوار الاتهام ( 1 )

خيالات مختلطة بأفكار مبهمة لا يفسر شيئا منها إلا صورة الأفيش المعروضة في الإعلان ، بعض من الإحساس بالشوق و ربما الإثارة ، هذه هي المرة الأولى التي تحضر فيها فيلما أجنبيا في صالة عرض أجنبية أيضا .. دائما تمر عليها في طريقها ذهابا وإيابا .. أخيرا قررت الدخول خاصة وأن هذه القصة جذبت كثيرا من صديقاتها ومن تعرف ممن هم ليسوا أصلا روادا لصالات السينما العربية أو الأجنبية .. قررت أن تكون إحدى الجالسات الليلة أمام الشاشة العريضة في صفوف السكوت والانتباه أمام الأحداث .

بثيابها الأنيقة ومشيتها الأنثوية الخاصة جدا قطعت طريقها مترجلة تحت قطر المطر الخفيف .. وصلت أمام بناية الصالة .. بحركات عفوية و طريقة لبقة قطعت تذكرة المقعد من نافذة خدمة الجمهور .. طالعت صورة الأفيش مرة أخيرة قبل الدخول .. السادسة إلا خمس دقائق كانت على مقعدها رقم 36 في صالة السينما .

الأداء التمثيلي مع بداية مشاهد الفيلم جذب الجميع للمتابعة في هدوء أشد من صمت قوم خرست أفواههم .. هي شردت بذهنها إلى بواطن الأمور ولم تضع انتباهها إلى الأحداث أيضا ، جعلت تربط بين الممكن والمستحيل ، الواقع والخيال ، البروفيسور الذي وضع نظرية رياضية قلبت موازين الذين وضعوا قبله و فتحت مجالات عدة لحلول كانت معقدة قبل ذلك ، يقع فريسة لانفصام الشخصية .. يحاكي ذاته متوهما أن أناسا حوله يجارونه في حديثه و برد فعل طبيعي يجد أن عليه المتابعة و الرد على تلك الكلمات الصامتة التي لا يسمعها غيره ولا يرى أصحابها سواه .

تعاقبت مشاهد القصة في حبكة قوية جعلتها تزداد اندماجا و ربطا بين ما ترى و ما تعرفه عن أصل هذه الشخصية الحقيقية ، دخلت حالة نفسية مختلطة بين الانبهار بالقوة الأدائية والتوتر الذي تصنعه تصرفات تلك الشخصية و التي يهيئ لها الآن أنها من فرط ذكائها تفجرت أبراج الذكاء في المخ داخلها حتى أضحى صاحبها بهذه الطريقة .

نفسها ليست هادئة أبدا ،.. تلك التي كانت مغرمة بالبروفيسور المريض حركت سواكن روحها.. هو لم يكن يرى لها أي وجود في نفسه ولا حتى في أوقاته كثيرا .. دائما ما يجلس مع أولئك الذين يتوهم وجودهم حوله .. غرامه الخيالي الذي في نفسه بأنثاه التي يتخيلها معه ، أخذه تمام من مغرمته تلك و التي هي الحقيقة الذي ادعى كثيرا أنها الحق الأوحد في حيته .. كانت ملازمة معه طيلة مشواره والآن هو في متاهة مفرطة تبعده عنها .

كل تلك التداخلات و الاشتباكات راحت تهدم بناء القوة في نفسها وهي تبصر حكاية يربطها بالواقع أنها صرت يوما بالفعل ، و إن كانت تغفل فكرة تدخلات كاتب النص السينمائي في أحداث الحكاية .

وسط اندماج المتابعين في الصالة .. أزيز عال تلاه شرار أسكت صوت الشاشة العريضة وأطفأ نورها وأغلق تيار الصالة كلها .. فورا عمل المولد الاحتياطي .. اعتذار مسموع للمتابعين .. ( بإمكانكم العودة بعد ربع ساعة على الأكثر للمتابعة .,. نعتذر عن الخلل المفاجئ ) ، دقائق قليلة و خلت صفوف المتابعين تماما إلا أنها بقيت مستقرة مكانها تعيد انضباط نفسها و تحاول اكتساب قوة تقيمها واقفة بعد كل الارتباكات النفسية التي صنعتها مشاهد القصة وما تلا ذلك من فجعة ختم بها أزيز الكهرباء جلستها .

أخرجت مناديلها الورقية ومرآتها الصغيرة تبصر شحوب وجهها و تمسح الدمعات التي تفر خلسة من عينها ، صوت أنفاسها كان عاليا بعد أن سالت أنفها إثر دمعات عينها و فجعتها تلك ، لم يكن المكان كما تخيلت خاليا من الجميع إلاها .

هو كذلك ما زال جالسا في الجهة اليسرى مقعد 68 ، سمع أناتها الخافتة التي تخرج مع أنفاسها .. تبينها فإذا هي لأنثى ما زالت تجلس هي أيضا في صالة العرض .. تخطى المقاعد التي تفصلهما .. يقترب ليرى أكثر .. حتى لم يبقى فاصلا بينه و بينها سوى مقعدين فقط .. انتبهت واقفة .. ( أي خدمة يا أستاذ ) ، بابتسامة رقيقة مد يده ليصافحها مُتَفَوِها باسمه ( لؤي فؤاد .. مشروع محامي ) .

رمقته بنظرة قوية ثم جذبت حقيبتها بيدها وتخطت المقاعد من الجهة الأخرى حتى صارت عند بوابة الصالة .. قفلت خارجة دون أن ترد له جوابا .. راقبها بعينه حتى لحق بها خارجا .

ابتاع من بقالة قريبة عبوتين من المربطات الباردة وقالبي شيكولاته .. عاد مسرعا حتى لا تختفي عن عينه ، هي تقف على مقربة من الصالة متكئة على حائط .. لحظة و كان إلى جوارها .. فوجئت به يسحب من يدها ذلك الكيس الورقي الذي امتلأ بحبات الفيشار ناطقا بلطف ( بقت بايخة قوي حكاية الفيشار والسينما ) .

حزمت يدها على صدرها حزمة الصلاة .. وضع هو فوقها ما انتقاه هو لها .. ( خدي بالك هيقعوا ) .. لحظة غريبة و موقف جريء من شاب لا تعرفه و لم يسبق لهما أن تقابلا أبدا إلا الآن .. لم تجد في نفسها قوة للرفض .. مع انسياب مفاصلها و ارتباكها أحكمت الإمساك بما أعطاها .. رفعت عينها في خجل زائد .. ترمقه بابتسامه خفيفة .. ( شكرا ) .. ثم خطت بعيدا تقف في مكان آخر .

الصالة الخارجية مزدحمة .. كل الذين كانوا في صالة العرض ينتظرون هم أيضا العودة لإكمال و متابعة الأحداث التي قطعها أزيز تيار الكهرباء المفاجئ ، لم يعجبه حين تحركت لمكان آخر أن يسير خلفها مطبقا سيناريو الأفلام العربية ، بقي مكانه ملتفتا إليها يحكي بلسان عينه الذي ينطق بالنظرات عن رغبة عارمة في التحدث كثيرا إليها .. ابتسامة عريضة شقت وجهها القمري مؤذنة له بالانطلاق .. كأنها تفتح له مسامعها ، فورا اعتدل في وقفته وهم بالسير حينها إليها .

قطع حديث الهوى بينهما نداء من داخل صالة العرض .. ( الآن بإمكانكم العودة لمتابعة مدة العرض نعتذر مرة أخرى ) .. سار نحوها .. خلعت عن يدها ذلك الفرو الذي لبسته لتدفئة كفها .. و سلمته يدها .. حركة جماعية لكل من في المكان .. هي وهو .. دخلا الصالة سويا .

يتبع البقية

مس من جنـون

وي كأنه يا نفس كان البارحة .. سبعة أشهر لم تطفئ لهيب الشوق ولا ملأت جنان الروح بغيرها .. حتى الذكرى ما تزال تمر قاسية كلذع الفراق في لحظته الأولى وكأن يد الزمان طوت الأيام فمضت كطيف عابر تحمله ريح ساخنة عاتية .. وتبقى التفاصيل بدقتها والأيام بساعاتها ودقائقها حتى يخيل إليه أنها الضحكات ما زال يرددها الصدى على مسامعه ويسجلها القلب كأجراس تدق بابه الذي لا يوصد عنها وإنما يحكم إغلاقه وهي بداخل كيانه لتبقى ولا تغيب ..

ذلك الطريق الذي حفظ خطواته .. بداية من المحطة وحتى المحطة الأخرى . ومن ذلك المسجد الشاهد عليه وعلى ما بقلبه حتى تلك الشجرة .. كنت أتصور قديما أن معانقة الشجر لروايات الغرام تقليدا ابتدعه أحدهم ونص الباقون عليه نصوصهم وتعود بي الذكرى حتى أزداد إيمانا أنها واقع وحقيقة .. شجرة لو نطقت لنادت عليه .. استوحشته وافتقدت وجوده .. صورة لم ترسمها ريشة فنان و لا كتبها قلم أديب إنما أبدعها جمال الروح وعشق القلب ورسمتها قبل ذلك يد مقدر الأقدار ..

ثمان مرات لا ينسى منهن لحظة .. يوم أن خرج وساقته نفسه لزيارة أهلها ويوم أن أعادها وابتدت علاقته مع ظل الشجرة .. يذكر تماما ذلك الخن الصغير بين البنايتين خلف الشجرة .. كان يغيب فيه ويشرق بطلته لتراه ثانية من شرفة دارهم .. تطل كبدر قمري غطته غيمة .. تستحي أن يرى طرفها ، كان يستعذب فرحتها برؤيته وتلك الراحة التي تسبل ستارها عليها ، ويطل وما يرى سوى خيال خفيف لا يزيده إلا شوقا وعشقا .. حديثهما عبر الهاتف حين تمر تلك الشاحنة فتفصل الصوت والرؤية وتمضي فيضحكان .. وبلسان واحد " علي صوتك شوية" .

لم يذق في حياته أطيب من شراب المانجو الذي أعدته له بيدها .. يوم أن قررت إعطائه له يدا بيد من وراء حجاب .. مدت يدها ومد يده ليستلم شراب العشق الروحي الذي يتذكر تماما أنه التقم الكأس كطفل جائع .. وتلك الحلوى التي تبقى أوراقها إلى الأبد تحمل عطرها وتحتفظ بملمس يدها .. هديتها .. قميصها .. كل ما لها عنده ما يزال على حاله يحفظ عهد الحب ويقيم بناءه على الأصل الذي أسس عليه . لم يتخلى سوى عن صورة كانت أهدته إياها ما ذلك إلى اقامة لحق الله وردعا لشيطان الزمن أن يعبث بها .. ملامحها محفورة في ذهنه لا يمكن أن يمحوها الزمن .

يذكر يوم عرفها ويوم عشقها ويوم رآها لأول مرة .. يحفظ عن ظهر قلب كلماتها التي قالتها .. يعرف حالتها من نظرة من كلمة أو حتى همسة .. سطر في حبها سطورا لحنتها معازف الهوى وغناها طربا على مسمعها بصوته .. ليس أجمل من الحب على أنغام صوت الحبيب ..

لا يغيب عنه أبدا ذلك الطريق الذي قطعه سائرا ذهابا وإيابا أكثر من خمس مرات في مكالمة واحدة .. غَيَّبه حديثها عن واقعه .. كانت الدنيا تختصر معها بكل ما فيها .. أجمل لحظات حياته يوم تقابل الوجهان وهي تضع له صحن الفاكهة وما صارت الفاكهة عذبة المذاق إلا لأنها سقتها من رحيها .. وتملكه رعاش الحب لحظة وقوفه بين يديها .. صوتها وهي تقول " مش هتتوضى " يا ويح قلبه كم ذاب حينها ويا ويل عقله الذي أذهبه تماما نبضهما المتناغم .. لحظة لم تدم أكثر من خمس ثوان إلا أنها بحياته كلهـا .

لكن الزمن لم يقبل بدوام الصفاء على قلبيهما أكثر من هذا ، وبدأت دابة الفراق تأكل في الساحة بينهما حتى حفرت بئرا غائرا فتحت له مجرا تسقيه من دمه ودمها ليظل العذاب الأبدي مشترك بينهما .. تحبه ويحبها لكن عصا السجان فوقهما .. وبعد سبعة أشهر كوامل لم يفارقه خيالها ولم تغب عنه .. عاد القدر وبعث له بصوتها .." ألو .. السلام عليكم " فقط لا أكثر ، زلزلت كيانه وفجرت بركانه الذي انفجر من فُوَهِةِ بئر الفراق.. يتمنى العودة .. فقد أضناه الفراق وسكنه الجنون .. وما كل ما يتمنى المرأ يدركه .

رابط التعليقات أعلى عنوان البوست أو من هنا

بأي ذنب ؟

كطلعة الفجر يتلوه أول النهـار ثم يولد على رأس النهار قرص شمسي يحيل دفء الصباح حرا واصبا ما تلبث عينه الواسعة المحدقة تطل ساعات حتى تأفل وكأنما أبصرت كل ما هنا فتروح راحلة بحثا عن مشهد آخر .. كانت هي تماما ذلك التدريج الذي مر بقلبه .. في بدءه لطيف ناعم وفي آخره غياب تام و .. ظــلام .

هو في حسبتها قد فارق الحياة .. انتزعته من شراينها التي طالما اختلط بدمها وجرى فيها .. تألمت لكنها قررت الرحيل عنه وتجاهله تماما .. مرت سنة ولم يبقى من ذلك أثرا سوى ذكرى لا تسمن ولا تغني إنما هو الماضي ليس إلا ..

عرفهـا صاحبنا .. ليس له علم بما مرت به .. رآها قلبه قبل أن تراها عيناه ، حاول إيهام نفسه أنه الإعجاب فهي عالم آخر من الحسن والرقة لكن روحه أبت إلا أن تثبت له خلاف ذلك لتفضح كذبه أمام قلبه وتوقعه صيدا في شِبَاكِ الغرام. كتم هواه في قلبه أياما وأيام حتى كانت لحظة اللقاء المباشر .. كانت لحظات تاه فيها عقله فيها وذابت نفسه في أحضان روحها .. يجلس في حضرتهم غيره وغيرها لكنه كان غائبا يشرف على تشيد صرحها الذي وُضِعَت أساساته يوم رآها قلبه .. لم تنته تلك اللحظات إلا وكانت روحه قد سُوِّيَت على نار شوقه لها .. أكثر الشوق ألما أن تكون حبيبتك مقابلة لك .. و إلى جوارك ثم لا يمكنك الوصول إليها .

حدث نفسه .. خشي البوح بنبضه .. كثير من كلامه ربما يكون متكرر على ألسنة غيره .. يريد أن ينطق بشيء جديد مختلف ليكون لها حكرا خاصا ليس لغيرها من فتيات الدنيا .. الخوف من المواجهة أصعب من المصارحة ذاتها .. اختنقت الحروف كثيرا في حلقه .. بكت عينه حتى حسب أن البحار تنبع من أجفانه .. تألم حتى انتهى نحيلا أكثر من نحوله وقرر أخيرا أن يقول ..

راح يدور حول سياج مشاعره .. كان تلميحا صريحا بعض الشيء .. فهمته ووعت ما يريد قوله .. قبولها لما قال لم يكن إلا احتراما لمشاعره .. أخبرته يومها أنها لا ترغب في خسارة رفقته لكنها لا ترى علاقته بها إلا مجرد صداقة .. كذب على نفسه وحاول اقناعها بترك الامر لشأن القدر .. وحاولت هي ثنيه عما يفكر فيه .. لكن بنائها قد شُيِّد في قلبه ولا يمكن أن يسمح بقرار إزالته أن يخرج للوجود فصلابته وقوته تحميه من السقوط أبد الدهر ..

حديثهم دائما لم يعد له هيكلة سوى شأنه بها وشأنها بما يفكر به .. تبعده فيدنو أكثر ، تصده فيزداد عشقا لها .. احتارت في أمره لكن حبه لها عمى عينه عما تفعله به .. كلامها كسم يجري في عروقه يرتجف منه لكنه لا يزيده إلا حبا لها .. لم تشعر به يوما ولم يمر على خاطرها لحظة واحدة حتى خشيتها عليه من الهلاك لم يكن سوى تلك الدقائق التي تحاكيه فيها ..

ظل على حالته يعشق من لا تنتبه إليه .. أعجبه احساس الألم بحبها ، لم يجد من نفسه إلا تسليما وخنوعا لها يزداد يوما وراء آخر حتى انطوى قلبه على عشق خرافي وحب جنوني لها .. هذه التي ما شعرت بنبضه ولا حتى حنت على حاله .. صاحبته دموعه ورافق السهر أجفانه .. عرفه شارع البحر الذي حفظ خطواته اليومية ، زاد الأمر إلى حد التيم والهيام .. أنفاسه عطرها ، نبضه همسها ، كله هي وهي رافضة كل ذلك تماما لكنه لا يمكنها من فعل شيء .. دائما يقنعها بأن القدر هو الذي رماها في طريقه .. مر بها فارتدتها روحه لباس عشق ليس له في يد .. رحمت حاله كصيرا وسكتت عن صده مرة ومرة حتى بل الحال ذروته .

رأت أن البعد هو الحل الوحيـد .. أرهقها ما هو فيه وأشقاها كثيرا .. ليس حبا إنما مللا واستهجانا .. أصبح بالنسبة لها كابوسا مقلقا وإزعاجا لا داعي له .. أخبرته بما تريد وكأن بركانا كامنا بقلبه وانفجر حين سمع ما تقول .. حاول استدرار العطف .. تكلم بحروف تدمي الصخر لكنها كانت حينها أشد قسوة .. أحرقه الألم .. لا يصدق ما سيكون .. ساقه الجنون لها لهدم صرح كرامته وإباء نفسه تحت قدميها .. كطفل تفارقه أمه .. لكنها عزمت الرحيل ولن يثنيها عما نوت أي قول ..

صرخاته لم تمنعها من أن تدهس قلبه وتتخذ روحه مسارا تعبر عليه إلى عالم الرحيل بعيدا لتغيب عنه وتضحي حياته بعدها روحا مبهمة خاوية على عروشها هزمها الألم وذبحتها أنثى .. هكذا هو الحب .. سيبقى هكذا قلبك يا صاحبي يعتصر ألما وينبض بذكراها .

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

أشمـون

في ريف مصر وبين أحضان السكون تقبع تلك القرية الصغيرة " أشمون " .. ذلك المجرى المائي الصغير .. تملأه الطيور وسط زخم من بقايا البيوت .. أمر اعتاده أهل القرية .. لا تجد إحداهن حرجا في أن تترك صبيها يلهو مع رفاقه ليعود إليها وقد لحق به من الأذى ما الله به عليم .. رامي ذو الخمس زهرات أحد هؤلاء الصبيان .. يشم رائحة أبيه عن بعد فيضع ذيل ثوبه بفمه دون أن ينتبه أو يشعر بعكرة فيه ويأخذها جريا حتى يسكن في جانب الدار ..

علاقة رامي بعمته أكثر قوة حتى من ارتباطه بأبيه وأمه .. تعني له مصر بأكملها وإن كان لا يعرف مصر هذه .. مر شهرين ولم تأت كعادتها لزيارتهم ، سمع حديث حديثا من أبيه بصوته الخافت دائما كأنما يسترق النطق في أذن أمه عن مرض عمته .. طلب من أبيه أن يصبحه لزيارة عمته ، بداية لم يسمح له بالحديث مطلقا في هذا الأمر "اسكت ياولد ملكش دعوى بكلام الكبار عمتك بخير ..اكتم لأحسن ما .. " لكنه أصر ولزم الصراخ والعويل حتى أخذ وعدا من أبيه أن يصحبه صبيحة الغد إلى عمته في القاهرة . ونام الصبي على ذلك الأمل الذي رسم له حلما بديعا ..سيرى قاهرة المعز .. لكن الصبح أتى وغادره أبوه خلسة .. استيقظ فزعا وقرر الذهاب وحده فلن يضيع حلمه هباء .

خرج من دارهم حافي القدم معمص العين .. انتبه وعاد يحدث نفسه " انت رايح القاهرة يا غبي " أغطس وجهه في قدر به بعض الماء العكر ولبس بلغته القديمة وخرج بثوبه الرث حتى وصل محطة قطار " أشمون" ... " عمو عمو .. هو القطر الي رايح الكاهرة فين " تبسم الرجل في وجهه " الي رايح الكاهرة هو ده يا حبيبي " .. راح جريا وصعد القطار وكأنما فتح له بابا إلى الجنة .. بقي متخفيا من "الكومسري" هنا وهناك ..يختفي ويظهر عندما يروح الرجل بعيدا .. يقف القطار محطة فينزل ويجري وراءه محطتين ثم يركب تارة أخرى .. هكذا حتى أفلت من الأجرة .. ساعات وانتهى القطار إلى محطة مصر .. ونزل الصبي الصغير ليرى حلمه .

ظل يسير ووجهه الصغير ينظر إلى من لم تره عينه قط .. على غير حسبانه جاءت تلك المشاهد .. جعل يقص منها ويحفظ في ذاكرته ، يكمل سيره بين خط " التروماي " وعلى الكورنيش دون وعي أو خوف .. حتى وصل ميدان التحرير ، هو لا يعرف شيئا ولا يدرك من الكلام سوى حروف تعلمها في الكتاب .. حاول أن يقرا شيئا لكنه حفيظة عقله خانته .. اقتنع أخيرا ان القاهرة هذه ليست كأشمون .. " كبيرة قوي يا مصر أومال في بأه قصر عيني " .. جلس يلتفت حوله ..يرى كما من الناس ليسوا كمثل أهل قريته الصغيره .. أمسك بإحداهن .. " إنتِ .. " التفت إليه تلك الفتاة " إيه ده عاوز ايه يا ولد " رد بسؤاله الذي جاء من أجله " هو قصر عيني فين " .. تبسمت وكتمت صحكتها " قصر عينك مين يا قطقوط " بلهجة مختنقة " قصر عيني الي عمتي تعبانة فيه " فهمت مراده وعرفت أنه يريد مستشفى القصر العيني .. " معرش والله يا حبيبي أنا كمان مش من هنا .. خد المصاصة دي واستنى ماما هنا متمشيش " تركته ورحلت عنه .

فكر قليلا .. " مفيش غير اني ارجع تاني " .. كان عقله الصغير قد ارشده إلى ألا يترك مكانا يسير فيه دون علامة تدله عليه إن شاء الرجوع .. هنا علامات بلغته الصغيرة وعلى ذلك السور طبعات يده التي شربت ترابا وغبرة .. جعل ينظر كل ما وقعت عينه عليه وهو آت حتى قضى عائدا في سلام إلى محطة قطار مصر .. هذه المرة لم يستطع الولوج إلى القطار .. وقف محتارا .. هيئته توحي لمن تقع عينه عليه كأنه من أطفال الشوارع .. مر أحدهم فسقطت عينه عليه .. وضع في يده قرشا وذاك قرشين .. أعجه الحال .. راح إلى "شباك التذاكر " وسأل الرجل " عمو عاوز أروح أشمون أديك كام " فرد له بكذا .. عاد إلى مكانه و اتكأ على إحدى سواري المحطة وظل الرائح والآت يضع في يده ما تجود به نفسه حتى انتهى أخيرا غلى ثمن التذكرة وقروشا أخرى يجلب بها بعضا من الحلوى فقد أنهكه التعب وأضناه .. اشترى حلواه وركب القطار .. لم يجد مقعدا خاليا .. جلس أرضا وهم أحدهم بوضع شيء في يده فصرخ في وجهه " أنا مش بشحت شوف معايا كام " ضحك الجالسون من صوته الصغير .. كان " الكومسري" يتحاشاه ظنا من هيئته ألا يستطيع دفع قرش .. قام إليه " إنت أخدت من الناس كلها وأنا لأ ليه .. " بلهجة مختنقة وروح تشعر بالإهانة " خد دول كلهم " وقفل القطار عائدا به إلى قريته "أشمون " .

وصل القطار بعد أن مضى من الليل أكثره .. نزل الصبي بهيئته تلك ليجد من يعرف ومن لا يعرف متجمهرين في المحطة وكأنما القرية كلها نقلت معيشتها هنا .. ما إن شقطت عبن أحدهم عليه حتى تجمع الكل .." كنت فين يا ابن الـ .." رآه أبوه وكان قد عاد قبله بساعات قليلة فغادر إلى البيت ينتظره .. أخذته أمه من يده تجره وتسيمه سبا وتخويفا من أبيه ، في طريقهم رأته تلك الصبية التي دائما يفضل السير معها عن اللعب مع رفاقه لمح بعينها دمعات وبصوت خافت تهمس له " أنا خايفه عليك من باباك ..عملت كده ليه " لم يرد لها كلاما واستمرت أمه في اقتياده ، دخل من الباب ليرى والده يلف في صحن الدار ينتظر طلته .. ما إن رآه حتى فتح له أحضانه .. جرى الصبي هربا من يد أمه إلى أحضان والده الذي رسم قبلة على جبهته الغارقة في تراب مصر .. " هأخدك لعمتك والله بس متملهاش تاني ".

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

في بئر أنثى

ربما لم تر عينه أو يشعر قلبه بأكثر منها أنوثة وأرق طباعا .. لكن قسمتهما أن تنبش الأيام بينهما قليلا وقليلا حتى أضحى القليل كثير وصار النبش حفرا .. وفجأة تضخمت الفجوة أكثر .. وقررت الشمس أن تتخلى عن مهمتها لتترك القمر مظلما .. فما عاد يجدي الإنتظار ولابد آت فراقهما .. تركته يومها وعادت يعصر الألم قلبها ويقتله الشوق إليها .. طالما كانت له أنا .. لكنها اليوم ومع عشقها الجنوني به تسقط كما سقط هو ضحية تلك الفجوة .. لتبتعد أنا عن هو .

لابد أن يجد حلا .. حاول كثيرا مرة وعشرة ..لكنها قررت ألا تكون هي الأنا له أبدا .. شعور مليء بالقسوة والمرارة أن يقطع شريان القلب وهو ما زال حيا .. أن يحرم النبض وما زالت به روح .. ألم قاتل تصنعه لا مع إمكانية كونها نعم ..

قرر الرحيل بعيدا عن مدينتها وإن كانت هي مدينته .. ربما تفصله أجواء المكان عنها .. دون تفكير غادر ذلك المكان الذي شهد لحظة الوداع الأخير إلى محطة الحافلات .. أخذ التذكرة وصعد الحافلة .. كان رقم المقعد (46) لكنه لم يكن خاليا .. استأذن ممن كان يجلس فيه .. وأخذ مكانه وانطلقت الحافلة .. على يمينه كان القمر متربعا على عرشه وليست فتاة كبقية الفتيات .. مع أول نظرة لها ارتسمت معالم أناه عليها فأصبح يراها فيها .. ياويح قلبك ..تركتها هناك لتراها هنا على وجه هذه التي تستقي الأنوثة من نبع جمالها .. تتكئ على يدها اليمنى .. وجهها الصبوح باد له .. كانت ممتلأة قليلا .. لكنه لم يكن الأمر الذي يسيئ لجمالها بل كان تدعيما لكيان الجمال فيها .

رفيقتاها تجلسان في المقعدين أمامه .. تستلم منهما بيدها وتنبسط كفها .. تنطق الشفتين أو قل الجوهرتين .. ثم تتناول قنينة المياه لتشرب ويُحال الماء من خلف فيها رحيقا تمنى لو يستقيه بعدما تركت تلك القنينة .. بقي على حالته هذه طيلة طريق السفر .. بين حيرته في رؤية أناه بين قسمات ذلك الكيان الرقيق المجاور له وبين قنينة العسل الذي فكر كثيرا في حيل الدنيا ليحصل عليها وما استطاع ..

احدى رفيقتيها كانت نموذجا مصغرا منها .. الفرق أنها لا ترتدي حجابا الأمر الذي أظهر لعينه جمالها أكثر وأكثر .. راحت نفسه تحاكيه " ويحك أيها القلب .. كيف سقطت في بئر العسل .. لا يفصلك عن مرارة الفراق ولوعة الإشتياق إلا عطر هذه ورحيق تلك .. حسنها وقليله يذيبك .. شعرها الذي طالما تمنيت أن يصطدم بوجهك وكثيرا ما اقتربت ليحدث وما حدث .. كأنه حقك يا أنا الذي أجبرتني نفسي على الجور عليه تستخلصه الأقدار من قلبي الآن شيئا فشيئ " .. ليته ترك المقعد لمن كان عليه وجلس بعيدا .

كان قد قرر في نفسه أن يترك الحافلة عند آخر محطاتها .. مع أول محطة في مدخل القاهرة نزل راحلا .. قلبه يأبى الخروج من بين خلايا العسل و نفسه لا تطاوعه لكنه غلبهما وراح يجوب شوارع القاهرة .. في كل أنثى يراها .. أنا وأنا وأنا .. كاد الجنون يدمر هيكل عقله .. أَخَلت مصر من رجالها أم أن عينه لم تعد تبصر إلا أنا .. في كل مكان وإن كانت أنهت كل ما كان تماما .. صاحبنا وحبه لأناه لا يفارقه أبدا .. حتى ولو وصل إلى أعماق الصعيد هربا من قسوة الألم .. ستبقى معه .. قد قطعت عهدا على روحها أن تظل معه مهما كان .. وستبقى متلبسة به طيلة حياته .. لتكون أنثى حياته هي فقط ..

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

تحت الكوبري

شعوره بنكهة الإرتباك ما ذلك إلا قليلا من توابل حالة القلق الهستيري التي يبيت فيها منذ مدة .. هي بين يديه .. أمامه وطريقه إليها مفتوح .. فكرة المصارحة ليست جرأة إنما هي تضحية .. إما أن تسمع منه فإن أعجبها الحديث وارتاحت له كان له ما يريد أو يبقى الحال كما هو دون أن تغلق كل مفتوح وتهجره تماما وتحرمه حتى من طلتها عليه دونما أي حديث .. أو تهجره ويضحي سليب الروح .. هو هذا فك الحيرة الذي راح يقضمه ويأكل أحشاءه كمدا وألما .. لا يعرف ما يقول ولا كيف يصنع ؟ فضّل أن يستمر في حالته هذه ليضمن طلتها ولو من بعيد .. حتى وإن كان هذا فتاتا لا يكفي القلب لأنه أكثر رحمة من لا شيء ..

ككل مرة بانت حبيبته من خلف الحجب أنارت الدنيا وعطرت المكان .. غاب عن عقله وسبح مع خياله هائما بها .. كأنه يرى نفسه التي أرهقته ألما وكثيرا ما تمنت لو أنها صاحبت قلبا أقوى من قلبه وأكثر ثقة في ذاته تدفعه دفعا إليها لينطق بمكنونه .. رآى ابتسامة على شفتيها اللتان يقتله الحنين إلى أن يهمسا له بما يريد .. وجدها تدعوه .. تهمس له .. وكأنها تخبره بأنها ما كانت لتبتعد عنه .. إن هو إلا الإنتظار والتمني .." اقترب .. ثق من كلامك .. لا تخف سأكون أنـا .. " ..

قدر العقول دائما كما تشاء .. رآى أن أحلامه تنبسط أمامه وتفتح له بكل سهولة .. يتملكه الذهول .. يكاد يموت كمدا على تلك الفترة التي سكت عن قوله فيها .. كأنها العجينة السهلة تتشكل في يده دون قسوة أو امتناع .. ذاب في بحر من شراب الغرام الذي راحت تسقيه رشفاته شيئا فشيئا حتى أيقن أنها اختلطت بدمه فما عادت تربطه بالصبر طاقة .. يتمناها وتتمناه طيلة كل وقت وفي كل ممكان .. لا يأبهان بأعراف أو ما يسميه الناس أصولا .. يعشقها ويفيض في حبه لها شعرا ونثرا وألحان .. وهي لا تفتر عن قولها له " سأكون أنـا .."

طلب منها مرة أن يترافقا والنيل ثالثهما وعروس مصر تحملهما على أرضها فما كذبت خبرا ورافقته .. وشهد النيل على أعذب كلمات قيلت في الحب وأبرع صورة رسمت لحبيبين .. تلفه بيدها اليمنى ويلفها بيده اليسرى .. يسيران كلا واحدا كأنما خلقا سويا على غير الطبيعة فخلقما سويا تُحال فيه حال الشقيقين إلى عشيقين .

استقر بهما الوقوف " تحت الكوبري " قد كانت الشمس بادية جلية لم تنستر بعد في خدرها .. استندا إلى ذلك السور الفاصل بين أن تغوص في النيل أو أن تعود من حيث جئت .. وغفلهما الحديث عن وقوفهما .. ساعة واثنيتن .. يروح من خلفهما من يروح ويأتي من يأتي .. عينه لا تسقط عنها وأنفاسها متعلقة بحديثه وقد تاه بصرها في كيانه لا ترى شيئا غير دواخله النقية البريئة التي تعشقها بكل إخلاص وطهـر .. فجأة وضعت يدها المهتزة على فيه لتوقفه عن حديثه .. " أحبك .. تأكد أنني أنـا" .. قبلت شفتيه كفها الرقيقة .. وذاق مع قبلته أشهى مذاقا حتى من شهد النحل .. تلك كف حبيبته ..

توقف عندهما بائع الورد .. انتبه لقوله " وردة لخطيبتك يا أستاذ .." تبسما فرحا بالكلمة .. أخذ منه كل ما يحمله من وردات وسلمهم لهـا .. "رسالة حب اعتادها البشر لكنها منك تختلف تماما" .. رسمت بثغرها البريء قبلة على إحدى الوردات ثم داعبت بها خده لتحيله من واقف أمامها إلى ذائب في كيانها ..

وتوقف هذه المرة عندهما رجل بسيارته .. " لو سمحتي يا أبله .. ممكن تلفونك أعمل مكالمة " انزعج من مقاطعته لهما .. رد إليه جوابا " شايفني قرطاس جوافه اطلب مني يا سيد انت " تبسم الرجل ابتسامة سخيفه " معلش يا أستاذ .. المهم اسعفوني بدقيقة عاوز أتلكم ضروري " .. أعطاه هاتفه كي يتخلص من ازعاجه بعد دقيقة .. لكنه تخلص منه ومن هاتفه .. مجرد أن سلمه له كانت سيارته قد وصلت آخر الطريق .. ردة فعله كانت مختلفة عن أي من الناس .. ضحك بشدة وضحكت معه .. "اجري الحقه " يزداد ضحكا " ألحقه ازاي يا أنـا .." ارتبك قليلا ثم تابع " مش انت قولتلي أتأكد إنك أنـا" ..

عادا إلى السور والضحك يقربهما أكثر من بعضهما .. اتكآ عليه .. وجهه في وجهها .. أسند رأسه لرأسها .. الأنف بالأنف .. يقترب .. يقترب .. ويهتز " الكوبري " من فوقهما إيذانا بمرور القطار .. صوته أكثر إزعاجا من أي صوت سمعه في حياته .. فجأة يهتز هو .. ليعود فيفيق من غفلته .. يجد نفسه ما زال في جلسته لم يتحرك منذ ساعة .. مذ طلت عليه بأنوارها .. كان وهما أنها معه .. لم يبح لها بسر قلبه .. لم يجرأ حتى أن يلقي سلام الله عليها .. أدرك الآن قدر عقله .. وهم وخيال وحياة نعيم بين سحب الوهم كما يشاء .. ثم تسقطه الحقيقة على واقعها الأليم .. مضت لحالها وانطفأت أنوار طلتها وصاحبنا ما يزال على حاله يأكل الألم جوامع قلبه فقد حكم القدر عليه أن يعيش هائما بها منتظرا أن يسمعها منها بحق " تأكد أنني أنـا" .

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

درس خصوصي جـدا

أتمت ارتداء لباسها وبدت في كامل زينتها .. وفي عجلة كعادتها طلبت من والدتها ثمن حصة الدرس اليومي .. بقلب الأم الذي ينبض حبا لها ويفيض بالحنان ولسانها الذي يلهج بالدعاء كما المتوسل " خدي يا بنتي ربنا ينجحك ويخلصك من الثانوية العامة على خير وأشوفك دكتورة " ، ضحكة أنثوية رقيقة وإشارة باليد وترحل مع صديقتيها ذاهبين لبيت الأستاذ فلان .

يبدأهم بالترحيب كما العادة .. هي أولا فهي أكثرهن لطفا وأجرأهن في حديثه .. سلام الكف بالكف .. إلى غرفة الدرس .. ويبدأ الشرح .. لهجته ساخنة .. ثم تهدأ وتهدأ .. في حركاته إثارة .. لمسات .. كلمات .. وترتمي الكتب بعيدا .. وتغلق الأبواب بإحكام .. وينزاح رداء الخجل عنهن واحدة تلو الأخرى .. تبدأ هي مع أولى مداعاباته لها .. هكذا حتى تتحول الصورة من درس علمي لغرفة نوم مغلقة ..

لم تشعر احداهن بالإهانة من تلك الفعلة .. ربما كن يخشين تهديداته في المرات الأولى .. ومع التوالي جرى في دمهن ذلك واعتدنه حتى أنها تسابق صديقتيها إليه .. لم يكن الأمر صعبا .. فحجة الثانوية تفتح كل الطرق ليصلن أخيرا خلف الباب المغلق ويسلمن أنفسهن ليده طوعا ..

سنة ونصف .. مرحلة أولى وثانية .. حصص الدروس التي لم يتم منهم شيء إلا قليل قبل الإمتحان .. والبقية في أحضان المجون ..

بات الحال مستورا والأمر غائبا عن عيون أهلهن .. حتى أنها هي طلبته ليعطيهن حصة الدرس في بيتها مقسمة له أن أحدا لن يشعر بشيء .. فحرص الأهل على عدم مقاطعة الأستاذ حين الشرح أمر مقدس خاصة في دروس الثانوية .. وكان فعلا .. على سريرها وفي مخدعها هي وهو وصديقتيها والأهل في غفلة ما ارتضوا ادخاله غرفتها إلا لأن زميلتيها معها والأمر عادي لا شيء فيه .. طيبة ولدت خبثا وضياع .

هو لا يستمتع بهذا فحسب .. بل وهن غافلات عنه في حالتهن تلك يلتقط لهذه صورة ولتلك مقطع فيديو و ما تلبث هذه الملتقطات أن تكون في هواتف الشباب الماجن وعلى أجهزة حاسوب الدنيا .. فما يفعله معهن خلف الأبواب يذيعه علنا ..

مرة في أحد أيام الإمتحان .. جاءتها احدى زميلاتها في الصف .. " خدي المقطع ده .. بيقولوا جنان قوي" ما إن استلمته ورأته حتى وجدته هي .. كانت زميلتها تسخر منها .. أخبرتها أنه مع كل من كان وليس هنا فحسب .

لم تجدي البلاغات ولن تجدي .. اعترف الأستاذ الوضيع بفعلته وحوكم .. لكن الحكم العال لابد أن يكون لهم جميعا .. قاتل الله الخصوصية وحصص الدروس المغلقة على فتاة ورجل .. قاتل الله من باعت شرفها بمتعة ساعة أو خشية من الرسوب .. لا بارك الله في أهل غفلوا عن فتياتهم وتركروا لهن الأمر كله متاح حتى يلغن في بئر الذئاب .

" الحكاية واقعية عن خبر في عدد الجمعة (صحيفة الجمهورية) صغتها بقلمي وحورت فيها "

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

هذه دنيتي

عندما تستنشق النفس نسمات الهيام يولد القلب ، أولى دمعات الحب ينبوع حياة ، نهر يسقي الروح غراما يدوم ما بقيت أحضان العاشق تضم نصفه الآخر" هي هذه بحق دنيتي ".

كما العادة راحت تنتظر محطة القطار ريثما يأتي ويرحلا سويا .. ظلت مع صديقتها تتبادلان أطراف الحديث والمزاح .. تأخر قليلا .. رغبت في ابتياع شيء من ذلك الدكان .. اصطحبتها معها .. تعبران سكة القطار .. كان الضحك سيد الموقف .. تمزحان ولا تلتفتان لأي مكان يقفن فيه .. فجأة سمعت صوت القطار عن قرب حاولت زميلتها جذبها بعيدا .. من خلفهن كان ذلك الفتى مسرعا ودفعهما بعيدا ليسقط هو ضحية مزاحهما وتفقد هي ساقها .. بدلا من وصوله ليعود معها وصل على أنغام الإسعاف ليجدها طريحة الأرض وصديقتها تقف مذهولة لا تستطيع استيعاب ما جرى في أقل من ثواني .

المرح الذي كان علامة تنبسط أساريرها عندما يصفها أحد به .. أصبح اليوم شبح الخوف الألم .. هي لم تدرك يوما معنى الوجع .. لا تعرف سواهما حبيبين .. هو والمرح ، وقد غدر المرح بها فياترى ما يفعله هو بها ..

مر يوم .. وسمح لصديقتها بزيارتها .. ومازال المرح سلطانا .. يبدو أنها لم تعرف ما راح حتى الآن .. لم تستطع أن تخبرها به .. جعل الألم يأكل أحشاءها وترسم الضحكة على وجهها كي لا تشعرها بشيء .. انسحبت بكل هدوء على وعد أن تعود .. وعادت في اليوم التالي لكن الأمر كان مختلفا تماما .

حالة من الإحباط والأسى .. لهجة لم يعهدها عبيها أحد ... تتحدث لصديقتها .. " قطعولي رجلي .. اه قطعوها تسدئي .. مش همشي تاني .. القطر .. كتبي .. رامي .. " تداخلت الأمور وارتبكت الصور أمام عينها .. وفشل في كل محاولات التهدئة والإقناع بأن الساق الصناعية ستكون كالتي فقدتها ولن تشعر بفرق كبير .. دموع وضحك .. جنون الصدمة .. لم تحتمل أن تراها بهذه الحال فرحلت وما زالت تصرخ بهستيرية .. غاب عن وجهها ضوء الفرح .. سدلت الآلام ستارها على جبينها ورسمت فرشاة العذاب وجهها بإبداع ..

شاء القدر أن يسكن الألم وتطيب الجراح .. بدلوها بساق صناعية .. ما زالت وخزات العذاب بداخلها تزرع الأنين .. لكن لا شيء إلا الصبر يجدي ..دائما في حكم القدر رحمة .. الآن يزاح الستار عنه ليدخل .. ليس وحده .. كانت المفاجأة التي جعلتها تضحك بإخلاص كضحكات الماضي .

كانت فكرة صديقتها لتخرجها من أجواء الحزن .. أن يكتب رامي عقده عليها .. وهذا ما كان .. هو المشهد الذي كان خلف الستار .. مفاجأة لم تكن بالحسبان تماما .. كانت تحسبها نهايتها معه لتجد نفسها تبدأ بسبب هذه المحنة أعذب وأجمل حياة .. مضت أيام وغادرت المستشفى بروح تملأها السعادة .. رتب القدر لها فرحة أخرى تنتظرها ..

أسبوعان .. اعتدلت مشيتها .. انتظمت حياتها .. طلعت شمس ذلك اليوم .. أحست بشيء لكنها لم تنبس ببنت شفة .. يأخذوها من هنا لهناك .. حتى ألبسوها الأبيض .. وأمسك يدها لتجده يرتدي الأسود .. تلك هي ثياب العرس .. لم تتمالك نفسها .. بعفوية ولا إرادة ارتمت بين أحضانه لتغيب فيها عن الدنيا وتستنشق نسمات حياتها منه .. همس في أذنها " هي هذه بحق دنيتي .. هكذا كنت تقولين وهكذا اليوم تفعلين .. وهو كذلك حقا "

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

" هو و هي " وأنا

وقفت به ساعات الزمن لتعود به فتلقيه على يم تلك الأيام التي شرب فيها الذل والمرار مع الدونية والقسوة التي سكنته حينها وأجنحة الشيطان التي كان يطير بها في وسطه الذي يعيشه .

قال لي .. " يومها لم أدر لم فعلت هذا وكيف .. كيف أقنعتها به .. كيف رسم الشيطان خطته وأقنعني بها ورافقني في اقناعها بها .. كنت أشعر برعشات قوية ورجفات تهزني حينما أهم بإمساكها وحينما تقع يدي عليها يزوغ بصري وأكاد لا أرى شيئا لكنه السيل الجارف الذي يجري فيه شيطان إن ركبت أوله فحتما ستسقط وترتع في خبثه .

رأيتها أخيرا كما كانت مع ساعتها الأولى في الحياة .. كنت أنا مثلها تماما .. وحانت ساعة الصفر .. وبدون أدنى تفكير في عواقب الأمور أو حتى شيئا من قلق أو خوف .. وقعت بها .. مرة وثانية ومائة .. كنا دائما نتفق وننتظر حتى تسكن الأجواء ويهدأ الحال أو يخلو المكان لنا ويكون ما يكون دوما .. كانت تتمنع أحيانا لكنها المعركة التي يقاتل فيها جيش قائده الشيطان وقد ضعفت النفوس وانهارت فهو حتما ينتصر .. وتعود مرة أخرى وتلين."

حينها أوقفته عن الحديث .. تمنيت أنه لم يتكلم .. جعلت أنظر إليه وأبحث في حواياه كأني أقرأ دواخله .. صورة تخفي في مكنونها وعاء ملأ خبثا .. سبحان الله كيف يطرح العلقم عنبا أخضرا يانعا .. لم يجد صفوا يعكره سوى صفو قلبي .. قد وطئ كلامه مسمعي ولابد أن أسمعه إلى النهاية .. بقيت متصنعا الهدوء وما زلت أسمع إليه ..

أكمل .. قال لي .. " حقا كانت إغراء شديدا .. كنت أشعر بدونيتي لكن النار لا تفكر فيما ستحرقه .. تحرقه وتبحث عن غيره فتأكله .. هكذا كنت ألفها في يدي وألتهمها .. جمالها أعمى عيني عما تعنيه هي لي .. فورانها بين يدي يثيرني .. مرة كنا في رمضان .. كانوا هم يصلون القيام وأنا ... "

وضعت يدي على فمه وأقسمت عليه ألا يكمل .. سألته سؤالا واحدا وتركته يتكلم قليلا بعدها ثم رحلت عنه .. ألم تجد إلا وعاءك فتدنسه .. ألم يكن أمامك إلا إناءك فتلغ فيه ؟ انهار باكيا .. بداخلي ثورة أريد تفجيرها فيه لكن علمي بندمه ورغبته في محو تلك الأيام من حياته هو ما دعاه أن يبث همه لأقرب الناس له كما يدعي .

تكلم وقال " كنت أفرغ منها فأشعر أن نارا تلف جسدي فأقسم أنها المرة الاخيرة ولن أعود .. ثم أعود .. لم يكن لباسها مغريا أبدا .. لكنها أنثى في كل شيء .. لم أتركها إلا حينما ابتعدت كثيرا .. هجرت الدنيا والمكان .. أريد أن أنتقم من نفسي لما فعلت .. لا أعرف كيف سترنا الله ونحن نهتك حرماته .. "

ما أبعد يدي عنه وأخرس لساني هي حالته التي لم أر بشرا عليها أبدا .. كان في صراع حي مع نفسه .. لم أكن سوى شاهدا على هذا الصراع .. وأنتم مالكم من هذا الحديث إلا "فاعتبروا يا أولي الأبصار"

" هذه حكاية قصها علي صاحبها .. نسجت حديثنا فيها بقلمي .. أوجزتها وحذفت تفصيلاتها فليس أبلغ لفهم المراد أكثر مما كتبت .. هو و أنا "

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

حبيبتي .. هل أنتِ أنت ؟

على أكتاف القدر معلقة هي الحياة .. على أعناق الرياح تسير .. تشرق وتغرب .. تصبح وتمسي .. كل ذلك في لحظة .. سنتها الفراق بعد اللقاء واللقاء بعد طول غيبة ..

علمت بعودته من صديقتها التي تعمل بجوازات مطار القاهرة الدولي .. أصابها الذهول و هول المفاجأة .. فيم اختفى وفيم عاد .. وكأنها لم تلق ِ بالا للأمر ..

سعت كثيرا لتعرف ذلك المكان الذي حظي بشرف استضافة رجل قلبها حتى عرفت .. في استراحة الفندق انتظرته .. وحان الميعاد .. هو لا يعلم بمجيئها.. لكنه شعر بشيء ينتابه بعث فيه الرغبة الشديدة للخروج .. هاجس يحفزه ويقوي عزيمته .. ارتدى ثيابه وغادر غرفته .. وفتح باب المصعد خارجا لينبعث من وراءه عطرها الساحر .. ذلك العطر الذي كان هواءه الذي يتنفسه ورحيق حياته الذي يتغذى عليه .. خفق قلبه بشدة .. هل يعقل هذا ؟

التفت حوله بعدما كان في صحن الإستقبال .. لتلمحه عينها عن بعد .. هو هو .. نعم .. دون شعور وبلا إدارك وكأنهما وحدهما بالمكان انطلقت تجري نحوه مخالفة كل قراراتها النفسية بالتزام الهدوء في أولى لحظات اللقاء .. وصلت إليه .. يا له من واقع كأنه الحلم .. وجثت على ركبتيها ممسكة بقدميه ودموعها كعادتها سبقتها إلى خديها لتغادرهما وتقطر على حذائه الأسود اللامع ..

أمسك بها ولم يتحرك .. لحظات ذهول .. دقائق مرت كأنها سنوات .. لقاء حبيبين على غير ميعاد .. عجت ساحة الفندق بالناس .. كل من كان حاضرا وقف ليرى .. أفاقا من غفلتهما على صوت تلك الأكف تصفق من قوة المشهد ..

ارتبكا .. أوقفها بين يديه ..ترتعد ودمعاتها على خديها.. أحاطها بيده و غادرا المكان .. صمت كأنه الخرس يكسو كيانهما. هو في صدمة الموقف وهي في فرحة اللقاء وتهيج العشق الجنوني الذي بقلبها له .. يفكر هو بكيف ؟ وتفكر هي بكيف أخرى .. ظلا سائرين .. ثم وقف فجأة .. أدارها إليه .. كيف تكونين أنتِ ..؟ قاطعته بنبرة تمتلأ مرارة و ألما .. أنت كيف تكون أنت ؟

تحدثا سويا .. قد كان مهاجرا لينسى طيفها .. في حسابه أنها تلك التي أخبروه بوفاتها يوم عصف زلزال أول تسعينات القرن الماضي .. خمسة عشرا عاما وما كدت أنسى وتكونين على قيد الحياة .. أتعذب و أذوب شوقا ولوعة وأنت الآن أنت على قيد الحياة .. راح يتكلم وكأن مسا من الجنون كسا عقله فهو لا يصدق ما كان ..

لم أعرف متى وكيف رحلتِ ؟ إلى أين ولم وماذا صنعت لك ؟ ، كنت أظنكِ ... ، وأنا احتسبتك هكذا وأقنعت قلبي وعشت على ذكراك حتى سمعت قلبي يناديك من جديد ..روحي تعصف تقول قد عاد هنا .. أنفاسي التي عشقت رائحتك .. كفاي كاد ينطقان .. رأيت الفرحة تكسوهما ..قرأتها يقولان سيعود إلى أحضاننا .. حبيبي .. كم أشتاق إليك ..

يالقسوة الأيام .. يالحكمة القدر .. أحبك وأحبكِ .. عاشقين فرقهما المكان وجمعهما تلاق الأرواح .. وصدق الوعد وإخلاص المشاعر .. ووفاء العشق ..

لم تصدق أنه ما يزال يحمل بين جنبيه ذلك القلب الذي عرفها فحوى لها كل صنوف العشق والهوى .. خيال لا يدركه عقل .. ظلت تذوب في ملامحه البريئة ويذوب في وجهها القمري .. عيناها تقول اشتقت إلى أحضانك حبيبي .. وترد عليها أحضانه اشتقت إليك ..

ارتمت في أحضانه معلنة إعادة إعمار عرش تلك المملكة التي غابت عنها كثيرا .. مملكة قلبه .. ضمها هو بدفء وحنان.. أمسك خصلات شعرها وراح يشمها كما هي عادته ..

حملها على ذراعه وكتفه .. قالها ولوعة الشوق تعصر فؤاده وهي بين ذراعيه وحرارة الحب تأكله .. حبيبتي هل أنتِ أنت ؟.. قالت ما أدركه أنه أنت أنت . سألها أن تعزف ألحان حبها بصوتها العذب وتصبه في أذنيه لينساب رحيقا فياضا إلى قلبه .. فطفقت تذيبه في حبها أكثر بكلمات لشاعر المرأة " نزار قباني ".. " يا أيها الغالي الذي أرضيتُ عني الله .. إذ أحببته .. أروع حب عشته .. فليتني حين أتاني زائرا .. بالورد قد طوقته.. وليتني حين أتاني باكيا .. فتحت أبوابي له .. وبسته .. وبسته .."

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

 
') }else{document.write('') } }