أشمـون

في ريف مصر وبين أحضان السكون تقبع تلك القرية الصغيرة " أشمون " .. ذلك المجرى المائي الصغير .. تملأه الطيور وسط زخم من بقايا البيوت .. أمر اعتاده أهل القرية .. لا تجد إحداهن حرجا في أن تترك صبيها يلهو مع رفاقه ليعود إليها وقد لحق به من الأذى ما الله به عليم .. رامي ذو الخمس زهرات أحد هؤلاء الصبيان .. يشم رائحة أبيه عن بعد فيضع ذيل ثوبه بفمه دون أن ينتبه أو يشعر بعكرة فيه ويأخذها جريا حتى يسكن في جانب الدار ..

علاقة رامي بعمته أكثر قوة حتى من ارتباطه بأبيه وأمه .. تعني له مصر بأكملها وإن كان لا يعرف مصر هذه .. مر شهرين ولم تأت كعادتها لزيارتهم ، سمع حديث حديثا من أبيه بصوته الخافت دائما كأنما يسترق النطق في أذن أمه عن مرض عمته .. طلب من أبيه أن يصبحه لزيارة عمته ، بداية لم يسمح له بالحديث مطلقا في هذا الأمر "اسكت ياولد ملكش دعوى بكلام الكبار عمتك بخير ..اكتم لأحسن ما .. " لكنه أصر ولزم الصراخ والعويل حتى أخذ وعدا من أبيه أن يصحبه صبيحة الغد إلى عمته في القاهرة . ونام الصبي على ذلك الأمل الذي رسم له حلما بديعا ..سيرى قاهرة المعز .. لكن الصبح أتى وغادره أبوه خلسة .. استيقظ فزعا وقرر الذهاب وحده فلن يضيع حلمه هباء .

خرج من دارهم حافي القدم معمص العين .. انتبه وعاد يحدث نفسه " انت رايح القاهرة يا غبي " أغطس وجهه في قدر به بعض الماء العكر ولبس بلغته القديمة وخرج بثوبه الرث حتى وصل محطة قطار " أشمون" ... " عمو عمو .. هو القطر الي رايح الكاهرة فين " تبسم الرجل في وجهه " الي رايح الكاهرة هو ده يا حبيبي " .. راح جريا وصعد القطار وكأنما فتح له بابا إلى الجنة .. بقي متخفيا من "الكومسري" هنا وهناك ..يختفي ويظهر عندما يروح الرجل بعيدا .. يقف القطار محطة فينزل ويجري وراءه محطتين ثم يركب تارة أخرى .. هكذا حتى أفلت من الأجرة .. ساعات وانتهى القطار إلى محطة مصر .. ونزل الصبي الصغير ليرى حلمه .

ظل يسير ووجهه الصغير ينظر إلى من لم تره عينه قط .. على غير حسبانه جاءت تلك المشاهد .. جعل يقص منها ويحفظ في ذاكرته ، يكمل سيره بين خط " التروماي " وعلى الكورنيش دون وعي أو خوف .. حتى وصل ميدان التحرير ، هو لا يعرف شيئا ولا يدرك من الكلام سوى حروف تعلمها في الكتاب .. حاول أن يقرا شيئا لكنه حفيظة عقله خانته .. اقتنع أخيرا ان القاهرة هذه ليست كأشمون .. " كبيرة قوي يا مصر أومال في بأه قصر عيني " .. جلس يلتفت حوله ..يرى كما من الناس ليسوا كمثل أهل قريته الصغيره .. أمسك بإحداهن .. " إنتِ .. " التفت إليه تلك الفتاة " إيه ده عاوز ايه يا ولد " رد بسؤاله الذي جاء من أجله " هو قصر عيني فين " .. تبسمت وكتمت صحكتها " قصر عينك مين يا قطقوط " بلهجة مختنقة " قصر عيني الي عمتي تعبانة فيه " فهمت مراده وعرفت أنه يريد مستشفى القصر العيني .. " معرش والله يا حبيبي أنا كمان مش من هنا .. خد المصاصة دي واستنى ماما هنا متمشيش " تركته ورحلت عنه .

فكر قليلا .. " مفيش غير اني ارجع تاني " .. كان عقله الصغير قد ارشده إلى ألا يترك مكانا يسير فيه دون علامة تدله عليه إن شاء الرجوع .. هنا علامات بلغته الصغيرة وعلى ذلك السور طبعات يده التي شربت ترابا وغبرة .. جعل ينظر كل ما وقعت عينه عليه وهو آت حتى قضى عائدا في سلام إلى محطة قطار مصر .. هذه المرة لم يستطع الولوج إلى القطار .. وقف محتارا .. هيئته توحي لمن تقع عينه عليه كأنه من أطفال الشوارع .. مر أحدهم فسقطت عينه عليه .. وضع في يده قرشا وذاك قرشين .. أعجه الحال .. راح إلى "شباك التذاكر " وسأل الرجل " عمو عاوز أروح أشمون أديك كام " فرد له بكذا .. عاد إلى مكانه و اتكأ على إحدى سواري المحطة وظل الرائح والآت يضع في يده ما تجود به نفسه حتى انتهى أخيرا غلى ثمن التذكرة وقروشا أخرى يجلب بها بعضا من الحلوى فقد أنهكه التعب وأضناه .. اشترى حلواه وركب القطار .. لم يجد مقعدا خاليا .. جلس أرضا وهم أحدهم بوضع شيء في يده فصرخ في وجهه " أنا مش بشحت شوف معايا كام " ضحك الجالسون من صوته الصغير .. كان " الكومسري" يتحاشاه ظنا من هيئته ألا يستطيع دفع قرش .. قام إليه " إنت أخدت من الناس كلها وأنا لأ ليه .. " بلهجة مختنقة وروح تشعر بالإهانة " خد دول كلهم " وقفل القطار عائدا به إلى قريته "أشمون " .

وصل القطار بعد أن مضى من الليل أكثره .. نزل الصبي بهيئته تلك ليجد من يعرف ومن لا يعرف متجمهرين في المحطة وكأنما القرية كلها نقلت معيشتها هنا .. ما إن شقطت عبن أحدهم عليه حتى تجمع الكل .." كنت فين يا ابن الـ .." رآه أبوه وكان قد عاد قبله بساعات قليلة فغادر إلى البيت ينتظره .. أخذته أمه من يده تجره وتسيمه سبا وتخويفا من أبيه ، في طريقهم رأته تلك الصبية التي دائما يفضل السير معها عن اللعب مع رفاقه لمح بعينها دمعات وبصوت خافت تهمس له " أنا خايفه عليك من باباك ..عملت كده ليه " لم يرد لها كلاما واستمرت أمه في اقتياده ، دخل من الباب ليرى والده يلف في صحن الدار ينتظر طلته .. ما إن رآه حتى فتح له أحضانه .. جرى الصبي هربا من يد أمه إلى أحضان والده الذي رسم قبلة على جبهته الغارقة في تراب مصر .. " هأخدك لعمتك والله بس متملهاش تاني ".

رابط التعليقات أسفل عنوان البوست أو من هنا

22 التعليقات:

Rannon يقول...

حلوة قوي

بس افرض بقى مكانش عرف يرجع؟؟
المهم خد باله من بلغته :))

بقايا إنسانه .... يقول...

معقولة تانى تعليق

احنا ناس غلابه وبترضى بقليلها

الاهم بقى

الكلمات رائعه جدا
وفى تناسق
والفكرة حلوة قوى

دام قلمك مبدعا

دومت بخير

تحياتى

سهر عافية

Batoooot يقول...

السلام عليكم
اهممممممممممم الاعلام ظهر اهوت
بس رصد الموضوع جميل جدا اما بقى الكلام عن الموضوع فى حد ذاته عاوز وقت كبييييييييييير و
سلام
تحياتى بطوووووط

قلم رصاص يقول...

موضوع جميييييييييل جدا كالعادة من قلم رائع مقلمكم الرفيع يابطل

دمت في ابداع وتميز

في حفظ الله

رؤية يقول...

الله يا ابراهيم
روعة
روعة
حقيقى
عجبتنى جدا

تحياتى

بـسـمـــة صـــــلاح يقول...

بجد تحففففففه ع الآخر

تبارك الله استمتعت وانا بقرأها

أوي أوي أوي

دمت بود

تحيــ بسومة ـــاتي(:

mahasen saber يقول...

التعليق راح راح...

المهم بعتذرلك تانى والاول عن تاخيرى فى انى احط لوجو المجله

بس للاسف قالب المدونه القديم راح

والقالب الجديد مش انا اليى حططيته كمان
ده مدون زملنا

فعذرا يا كاتبنا البارع

..........
والبوست ده حسسنى بالرف وادغال الريف كمان فى عز الشتا

ليه معرفش

ليس فقيرا من يحب يقول...

السلام عليكم
بوست روعه ومش عارفه ليه حسيت ان اعرف الولد ده يمكن علشان انا كمان من الارياف
تحياتى ليك والى تواصل

بسمة ولكن.. يقول...

ده شرف لينا يافندم متابعة افكارك المتجددة
أشمون..حلوة اوى
بس
ده super child
انا لو مكانه ..اول حاجة اعملها اول م انزل من القطر..اتصدم واخد ركن وعياط بقى للصبح.. كاجراء مبدئى

غير معرف يقول...

...............

yoyo يقول...

صباحك سكر

عجبنى اوى فكرة ارتباط الصغير بعمته ومحاولته ان يطمن عليها و نظرة لمصر وكانها عالم تانى
زى باب سحرى لدنيا غريبة عليه
عجبنى كمان ذكاء الطفل و محجاولته ان يعلم الطريق باى اسلوب بسيط عشان يقدر يرجع تانى ودا يدل على ذكائه و قدرته على التصرف بدليل انه قدر يرجع مرة تانية لبلده

تسلم ايدك يا هيمة
تحياتى
يويو

غير معرف يقول...

مسالتش ليه نفسك ليه بتزور مدونات البنات بس او اكتر

غير معرف يقول...

اتمنى انك تجاوب على السؤال عشان نستفاد كلنا

يوم تانى

كاتب مصري يقول...

رنا ..
لو مكانش عرف يرجع كان قعد يعيط أكيد هههههههه ربنا يكرمك وأخيرا رنا ذا فيرست عندي كويس جدا
منوراني والله

بقايا إنسانة
ربنا يخليكي انت تشرفي في اي وقت وشكرا على ذوقك وكلامك الحلو ده .. بجد فرحان قوي انك هنا يارب علطول ..

بطوووط
ولو اني مش فاهم أي حاجة بس منورة .. تحياتي

قلم رصاص
منورني والله ولازم هجيلك أكيد مدونتك فعلا لازم أحافظ عليك كقارئ لحروفي لإني احترمت شخصك قوي
خالص تحياتي .. حضر الشاي والحلو انا جي ..سلام

رؤية
ربنا يخليكي ..غيرنا وجددنا أهوه وروح جديدة وشكل مختلف .. شرفتيني
تحياتي

بسمة صلاح
الحمد لله انك استمتعتي ده هدف مهم جدا انا حققته من ورا الكتابة ان الناس تتبسط وتستفيد .. ربنا يخليكي .. منوراني

محاسن صابر
ازي حضرتك منوراني والله .. متعتذريش أنا مقدر والله وبلاش تحطيه دلوقتي لإن في تصميم جديد نازل هبعتلك اللوجو بتاعه والتجديدات يعني عشان نحط الجديد علطول ..شكلك كده كتبتي تعليق واتمسح ولا ايه المهم انك هنا ومنوراني والله بفرح بوجودك قوي وربنا يعلم .. منوراني

ليس فقيرا من يحب
أهلا وسهلا وميت مليون مرحبا منورة كأني أتكلم .. طبعا هتواصل معاكي علطول أنا مبسوط بالتواصل ده أصلا .. ربنا يسعدك يارب
تحياتي

بسمة ولكن
والله العظيم وجودك هو الي شرف كبير قوي ليا .. هو فعلا كلاك صح بس تابعيني وهتعرفي باه قصدي من الحكاية دي وكفاية كده باه عشان محرقش المفاجأة
منوراني والله .. هستناكي علطول
تحياتي

غير معروف
حطيت نقط يبقة هحطلك نقط العين بالعين والبادي أظلم ................ هههههههههه
تحياتي


يويو
شيء يسعدني ويطربي قوي لما أكتب حاجة وتعجبك .. ربنا يعزك ويزيدك شرف ويعلي مقدارك يارب ويديم الود .. نوريني علطول

غير معروف الكريم
لا يافندم مين قال لسيادتك اني مسألتش نفسي .. سألتها وردت عليا تحب تعرف الرد ولو انك كده تطفلت على أموري الشخصية ودواخلي بس هقولك يا سيدي أو سيدتي زي ما تكون .. ببساطة يا فندم أولا مش معنى تعليقي عند البنات اني مش بدخل عن رجالة ثانيا الفكرة مش انك عاوز تستفيد الفكرة تانية خالص ولحظك الحلو جدا اني فاهمك .. بس هقولك بردو وهخليني أحسن منك .. كل كاتب وله قراءه ومتابعينه وأكثر من يتابع كتاباتي هم البنات وليس عيبا أو حراما على الإطلاق أن أكون من زوار مدواناتهم حتى وان كان هن وفقط بلاش باه فكرة العنصرية والتفرقة بين الجنسين لكل واحد حق وواجب عملهم خلاص محدش له حاجة عنده ولما تحافظ على سلوكك مع الجنس الىخر أيا كان جنسك يبقى عادي جدا لما تتواصل معاه وبعدين يا أخي هاتلي غلط أنا عملته او اتسببت فيه لك أو لغيرك من ورا دخولي أي مدونة . أرجع أعيد وأقولك ده مش معناه اني مش بدخل مدونات رجالة وأتابعها وأعلق فيها انت بس الي بتتصيد ورا غيرك ..

استفدت باه ولا ايه
منور يا باشا .. انا مكنتش هرد مش لإني مش لاقي رد لا من باب وإذا خاطبني غير معروف لازم اطنشه بس انت ألحيت والله ثم والله ثم والله لو كتبت اسمك الحقيقي ما كنت هزعل ابدا كنت هرد عليكي بطريقة أكثر لطفا واحتراما ع الاقل كنت هتبره نقد لكن ده محاولة للتجريح ليس الا
.. دمت بخير
سلام

fL0weR-giRL يقول...

السلام عليكم
جميله جدا جدا جدا

وحلوه اوي بتاعت الكاهره ههههه

طفل عنيد بس لذيذ
***تقبل مروري***

نهر الحب يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولا:مدونتك رائعة جدا,أحسست وكأنى داخل عالم ثقافى لا حدود له,أدام الله عليك حسن الكتابة والتعبير.
ثانيا:القصة جميلة جدا,بس ياريت الآباء يريحونا قبل ما نعملوا مصايب زى الولد الصغير
ههههههههههه

تقبل مرورى

مع خالص تحياتى:

نهر الحب

marwa يقول...

قصتك حلوة قوي وشدتني من اولها لآخرها بس مش هقول لنهايتها لأني مش عارفه انت هتكملها ولا انت عاوز توصل معناها بس
جميله جميله جميله وأسلوبك من أروع مايكون ربنا يسعدك ويفرحك دايما زي ما رسمت الابتسامة والفرحة على وجهي
دمت متألق دوما

نـــــــــــــور يقول...

:)

عاجبنى الولد اوى على فكره
اوى اوىيعنى
بسكوته بجد

د. إيمان مكاوي.. أم البنين يقول...

موضوع جميل
ومدونة قيمة أحييك عليها
تحياتي وتقديري

كاتب مصري يقول...

fL0weR-giRL
كويس انها عجبتك الحمد لله الواحد قال يغير ويعمل روح جديدة بعيد عن الحب ومواويله وان كنت بعشق الحب وكلامه..
منوراني

نهر الحب
ربنا يخليكي شكرا على كلامك الجميل ده والله فرحتيني قوي .. لا استهدي بالله مصايب ايه ربنا يحميكي ويحفظك من المصايب .. على رأيك ياريت يريحونا ةيطلقوا لنا العنان ..حلوة العنان دي مش كده
والله منوراني ومشرفاني قوي ..كرريها متخليها مرة وخلاص ..هستناكي
سلام

marwa
انت والله الي زوق ربنا يكرمك رفعتي روحي المعنوية وعرفتي تقرأي أفكاري هي فعلا لسة لها باقي بس مش هقولك قد ايه تابعي وشوفي هههههه ربنا يخليكي بجد سعيد بوجودك جدا فرحان فعلا ..
نوريني علطول

نور
محدش يعرف الأطفال في دماغهم ايه ولا ممكن يتصرفوا ازاي الميزة الوحيدة فيهم انهم مش بيخافوا لإنهم مش مدركين أي خطر زي أخينا ده سافر من المنوفية للقاهرة ولا عارف ولا حاسس هو عمل ايه ..ربنا ينورلك حياتك يارب
شرفيني دايما بزياراتك الكريمة دي

د/إيمان مكاوي
شرف ليا يا فندم والله اعجابك بمدونتي المتواضعة دي .. هستناكي علطول ..
خالص تحياتي

دعاء مواجهات يقول...

جميلة اوى واعجبنى اكتر نهايتها

واعجبنى اسلوبك بشكل عام فى الكتابه

والتفكير

لما شوفت بداية الكلام افتكرتك منها .. بس طلع حوار تانى

عموما شكلى هقرالك كتير

وميرسى ع رايك ف كتابتى ..

شباك موارب يقول...

الله القصه جميله اوي
الولد صعب عليا اوي
مسكين جدا
بس انت اسلوبك جميل

 
') }else{document.write('') } }