عفاريت الحب..

(1)

على مدارج الحياة وضعه القدر.. شاب لم يجتز الخامسة والعشرين من عمره بعد.. أنهى دراسة الهندسة منذ سنة.. وبدأ يفكر في العمل..

أمه امرأة نيفت على الستين ..تقول له ولدي بسام..لست بحاجة هذا العمل أبدا..ما أملكه من أراضي وعقارات تدر علينا ما يؤكلنا شهدا طيلة حياتنا ..إن أردت فافتح مكتبا هندسيا خاصا بك..

لكنه يأبى..يريد أن يكتسب خبرة ثم يصنع ما يشاء..

في ذات يوم..كعادته أنهى طعام افطاره..وخرج يتابع مسيره في مراسلة مكاتب الهندسة المعمارية وشركات المقاولات في مصر وخارجها علّه يعثر على عمل..

في الظهيرة عاد تعبا مرهقا.. وجد والدته مازالت بجلستها التي كانت عليها وقت الإفطار أمامها كاس الماء.. تستند على منسأتها.. تعجب كثيرا.. ربما تكون عادت فجلست..لكن الطعام كما هو.. لم ترحب به وتقم لتأخذه بين أحضانها كما العادة فهو وحيدها...

ذهب يكلمها..يساعدها لتقف و يوصلها غرفتها.. لم ترد عليه جوابا.. وجدها ثقيلة ليست هذه العادة يا أمي,انفلتت يده قدرا منها ..لتسقط عصاتها من يدها وتلحق هي بها.. عندها صرخ بصوت عال..أمييييييييي...

سبق القدر على أمك يا بسام وصرت وحيدا.. عاد من جنازتها بعد عشاء تلك الليلة يحمل هموم الحزن على قلبه ودموع الحسرة في عينه.. وثقل المرارة يربض على صدره..

وجد مدخل البناية يعج بالناس ..جاؤوه معزيين.. لا يعلمون أهم يعزونه في أغلى غالية..

انقضت أيام العزاء الثلاثة.. كان خارجا ..بينما يفتح الباب وجد خاله يقف أمامه.. ارتمى في أحضانه يبكي..

دخل خاله المنزل..جعل يدور بين جنباته..ثم قال..لقد تركت والدتك رحمها الله أراض كثيرة عندنا في القرية..هذا زيادة على عقاراتها.. ولأن أخوالك جميعهم مقتدرون كل منهم عاف هذه التركة وقال نتركها لإبن أختنا..هو أولى بها..فأنت يابسام وحيدا.. ولكن..

فقاطعه بسام باختصار ياخالي باختصار .. ولكنك يا بسام لا تعرف عن ذلك شيئا.. ماذا تقصد خالي.؟

أقصد أنك تجمه حقيبتك الآن وتغلق هذه الدار وتأتي معي إلى بلد أمك ترى تركتها وتعيش بيننا حتى تدرك حسن التصرف فيها حينها افعل بها ما شئت..

بين معارضة بسام ومحاولة خاله اقناعه..رضخ لطلب خاله..

ومع صباح الغد وصل مع خاله بلد أمه.. ليبدأ رحلة حياة جديدة لم يعتد عليها من ذي قبل..

(2)
طلب بسام من خاله أن يسكن معه في بيت جده .. لا يريد أن يسكن في بيت أمه فيجرح نفسه بسكين الذكرى القاتلة..

قسم وقته يوميا بين زيارات أخواله وخالاته..وبين المكوث قبل المغيب بساعة وحتى العشاء في أرض أمه.. الشيئ الوحيد الذي أصر أن يطعن نفسه بخنجر ذكراه..هي تلك الأرض..

ليس هاويا للزراعة والفلاحة..لكنه يهوى المناظر الطبيعية الغناء..

في يوم كان ذاهبا من بيت خالته إلى الأرض..قبل المغيب بساعة.. جلس يسسر بين تلك الأراضي والحقول الغناء.. ما بين شجر برتقال وموز .. أو حتى ورود مزهرة .. حتى وصل أرض أمه..

اعتاد أن يجلس في مكان معين..يفرش فرشته..معه الشاي والقهوة وشيئ من المكسرات.. وقصة يقرأ فيها..

مل القراءة.. فجلس يتغنى .. صوت عذب وكلام جميل حلو.. نسمات آخر النهار.. وزقزقة عصافير تعود لأعشاشها .. وهديل حمام يرفرف بجناحيه ويسمع..

ومما تغنى به..

يا ليت من لامنا في الحب جربه فلو يذوق الذي قد ذقت لم يلم

الحب داء عيا لا دواء لـــه إلا نسيم حبيب طيب النســم

أو قبلة من فم نيلت مخالســة وما حرام فم ألصقته بفــــم

وبتلك الأبيات..

أغار عليك من عيني وقلبي *** ومنك ومن زمانك والمكان

ولو اني جعلتك في عيوني *** الى يوم القيامه ماكفاني

فجأة سمع صوت قدم تسير تجاهه.. حمل مشعل الضوء..فقد اصفرت الشمس فلم بعد يرى بوضوح..وقام نحو الصوت.. فوجد فتاة لم يتبين شكلها تسير نحوه..

تعجب ووقف ينتظر.. فلما وصلت عنده.. قالت ..السلام عليك يا .. وسكتت فقال .. بسام.. هل من خدمة أقدمها..

نعم .. قد كنت مارة من هنا فسمعت صوتك تتغنى فأعجبتني تلك الكلمات وذاك اللحن هل لك أن تسمعني مرة أخرى..

ولكن أظنه لا يمكن أن تجلسي معي هنا.. لماذا؟ معك أحد.. لا ولكن.. دون لكن هيا أسمعني أيها الفتى الهائم..

حسنا.. اجلسي هنا ... اسمعي هذه..

تسائلني حلوة المبســم *** متى أنت قبلتني في فمــي

تحدثت عني وعن قبلـة *** فيالك من كاذب ملهــــم

فقلت أعاتبها: بل نسيـت ِ*** وفي الثغر كانت وفي المعصم

سلي شفتاك بما حستاه *** من شفتي شاعر مغرم

كان ينظر إليها يرى تفاصيل وجهها ويتبسم.. فتاة جميلة تسير وحدها في هذا الوقت.. وتجلس مع شاب لا تعرفه ولا تخشى على نفسها .. عجبا.. وأكمل..

أم تغمضي عندها ناظريك *** وبالراحتين أم تحتمـــي

فأن تنكريها فما حيلتــي *** وها هي ذي شعلة في دمي

وأن شئت أرجعتها ثانيـة *** مضاعفةً للفم المنعــــم

فقالت وغضت بأهدابهـا: *** إذا كان حقاً فلا تحجـــم

سأغمض عيني كي لا أرك *** وما في صنيعك من مأثم

كأنك في الحلم قبلتنـــي *** وقلت أفديكِ أن تحلمـي

وهي تضحك لا تتكلم..

ثم سكت وجعل ينظر لها.. فقالت..مالك سكت أتريد أن أرحل...

لا لا..ولكن ..أتريدين شيئا آخر.. بالطبع نعم.. أغمض عينيه ثوان قليلة ثم فتحها وهو يتغنى بـ..

أحب حديثها وتحب قربي *** وما أن نلتقي إلا لمامـــا

فيا ليت النهار يكون ليلاً *** وليت الصبح لا يجلو الظلاما

ويا ليت الحمام مسخرات *** لترسل في رسائلنا الغرامـا

لعل حمامة تلقي إلينــا *** كتاباً منك نجعله إمامـــا

ما إن أنهى هذا المقطع حتى قامت ذاهبة ووجهها نحوه تقول له.. سأعود غدا..وداعا

فهل ستعود يا ترى؟

.تتمة القصة.

شيئ ما جعله يرتجف..قلبه يدق سريعا..لملم فرشته..وضعها في جانب وراح يتابع خوات تلك الفتاة.. لكنها غابت عن أنظاره سريعا..

جاء اليوم الثاني.. بدأ يتغنى منتظرا تلك الفتاة..جاءت على الميعاد.. غنى لها وهو سعيد جدا..

كانت تبتسم له وتضحك..

قام يضحك معها و يهش لها ويبش.. جاء ليمسك يدها..

تبخرت كالسحاب ..

راحت بعيدا..وذابت في السماء..

كاد الخوف يقتلع قلبه من مكانه.. سمع صوتها يقول له..كنت أريد أن أظل معك دائما..لكنك لم تعرف من أنا؟

أنا من عالم غير عالمكم..وللأسف وقعت في حبك أيها الفتى بسام.. لقد كنت على دراية باسمك يوم أمس لكنني لم أرد أن أجعل الشك يدخل قلبك نحوي..

بكل بساطة أنا لست من بني الإنس يا حبيبي..

عاد بيت خاله مسرعا..ينتفض..والخوف يكاد يقتلع جذور قلبه..وهو يقول عفريتة الحب يا خالي..لن أمكث في هذه البلدة ساعة بعد الآن..

لملم أغراضه وهم راحلا..

ركب القطار..جلس يتذكر ضحكتها وتلك الكلمات التي كان يقولها فتضحك.. وفجأة وجدها تترآى له وإذ بها تجلس جانبه.. فانتفض صارخا..عفريتة الحب...

تمت

17 التعليقات:

Ghada & Rofayda يقول...

عساااااني اول تعليق...


تأثرت واحسست بالكلمات ..

وكالعاده تتركنا في شغف لمعرفة البقيه..

تحياااااتي

دمت مبدعاااا...

إبـراهيم ... معـايــا يقول...

إبراهيم ...عزيزي
ياريت تبعت لي إيميلك ....
أو تضيف إيميلي عندك
ibnzaydooon@hotmail.com

محتـاجين نتكلم :) ....... وتحياتي للمنسأة، والعفاريت

رندا يقول...

مشاء الله مبدع
واسم البوست غريب جدا
عفاريت مرة واحدة اشتاتا اشوت ههههه

احساسك جميل ومعبر
انا فى انتظار الباقى

دمت بالف خير

رندا

غير معرف يقول...

-

كيكى يقول...

عوووووووووووووووو انا جيت اتخديت
................................
بجد ايييييييييييية التشويق دة...هى فى الاخر هطلع عفريتة ولا اييييييييييييية...الابجد قصة هايلة وفى انتظررررررررررر الباقية
...............................
بالنسبة لتعليقى فى المدونة التانية مش كنت تقولى انك عملت مدونة زى دى فكرتها حلوة..لية بقى مش قولتلى..وكمان دخلت علشان اعلق فيها معرفتش..على العموم دومت مبدعا الافكار

Unique يقول...

ربما تعود وربما لا

ابدعت بحق

تحياتي

enjy يقول...

ايه دة هو انا كل ما اتابع حاجة وتعجبنى تذلنى على باقيتها كدة؟؟؟؟
يللا بسرعة قول باقيتها........

همـ القلم ـس يقول...

ماااااا شاء الله ابداع وتشويق ..

فى انتظار البقيه ..


دمت بخير ..

صبرني يارب يقول...

اولا احييك على لغتك الراقيه اوي الى انا مفتقداها

اتوق للتحدث باللغه العربيه والاستماع لها جدا

لغتك راقيه وبسيطه وجميله فعلا

ثانيا : هو انا ماليش فى الشعر بصراحه ومش هاعرف احكم عليه بشكل متخصص يعنى .
الا انى عاجباني المعاني اوي وعجباني نغمة الشعر كمان .انا باقدر المدارس القديمه فى الشعر واحبها وانت قريب منها .
وعجباني فكره دخوله فى القصه اصلا .

وفى انتظار جديدك

سنووايت يقول...

دايما بتتركنا لخيالنا كدة في منتصف الاحداث

البداية مشوقة جدا , جميلة الابيات اللي اخترتها
ياريت نعرف هي مين وهترجع تاني ولا لا؟

Cold air يقول...

عندنا إحنا العرب
الخجل من السمات الأساسية للبنت
و في حالة بدأت البنت بإظهار مشاعرها
تكون حاجة من أتنين
يا إما بنت متحررة
يا إما تكون عفريتة الحب

بس لو ممكن تقوليلي اسم القرية
أهو الواحد يحب يتعرف علي عفريتة الحب
تغيير برده

هه ^_^ هه ^_^ هه

و مرسي علي القصة الحلوة دي

rara يقول...

مساء الخير
قصة جميلة واخرها مخيف شوية
واصعب حاجة فراق احد الوايدين والوحدة اصعب حاجة فى الدنيا

دمت دائما مبدع ووفقك الله دائما

تحياتى

ANGEL يقول...

كاتب مصري
أخبارك ايه ؟؟ أتمنى تكون بخير
أنا في انتظار موضوعك الجديد
ولي عودة لقراءة البوست لأنه واضح انه شيق وجميل

وأتمنى تنورني وتقولي رأيك في موضوعي الجديد

أختك

Angel Love

(green eyes) يقول...

هو التعليق بتاعي اتمسح ولا ايه

اللهو الخفى يقول...

بجد شعور جميل و سحر خافت بجد اول زياره ليا وبجد شرف لي انني ازور مدونتك

norahaty يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد قراءة البوست الثانى لى اقتراح
سمى مدونتك
(وكأنى اعزف)
نعم ما تقوله هو
موسييييييييييقى
هذااااااا رأيىّ.

shimooo يقول...

هههه
عجبنتي القصة
لكن فكرة عفريتة الحب هذه تم تناولها بطريقة أكتر اثارة
هل قرأت حكايه "الجنية"للكاتب غازي القصبي؟؟

تحياتي

 
') }else{document.write('') } }