أيام الوحدة..الحلــ2ــقة

بدأ النقاش يدور بين الحاضرين..لم يسمع أحد منذ زمن عن الوحدة..أو ربما لا يعرف أهل هذه القرية الصغيرة التي تدير شؤونها دون تدخل خارجي بالوحدة أساسا.. ووسط أصوات متداخلة من الحضور..تكلم السيد أبو النور..بهدوء يا سادة يا كرام..الأمر لا يحتاج كل هذا..أنا من جهتي فرحت بشدة عندما قرأت ما سمعتم ولكن الأمر ليس هنا والحكاية في غير هذا الذي تقولون..ماذا تقصد سيدي أوضح لنا يا كبير.. المشكلة في تلك التغيرات التي ينويها ديوان الرئاسة.. قالوا أنهم سيبقوا علينا كما نحن ولكن مع بعض التغييرات..كيف..ماذا سيفعلون إذا؟ صدقت سيدي والله.. كان أبو المجد حينها يغوص في بحر أفكاره..انتبه على صوت أبو عماد..ألا تشاركنا الحديث أخي أبا المجد.. اه..نعم نعم.. انا أرى شيئا آخر غير ما تقولون.. الأمر وراءه سر..ثم لم العجلة ننتظر لنرى ما الحكاية..وحتى يصدر المرسوم الرسمي بالوحدة يكون حينها حديثنا.. لنتحدث في شأن آخر سيدي إن كان هناك ما يهم..

ولكن سيد أبو المجد.. سيدي تحدثوا فيما شئتم وسأشاركم ولكني أرى أن الامر مازال كلاما على ورق ونحن لا نعرف ما سيجري من تغيرات..قم إن رئيس المخفر في المدينة على صلة وطيدة بمجلسنا هذا وإن حدث ما ينوونه فسيترك لنا كثيرا من الأمور لشؤوننا الخاصة.. أترى هذا يا أبا المجد..نعم هذا ما أراه سيدي.. إذا الامر شورى بينكم.. وكان الحاضرون كلهم على رأي أبي المجد إلا أبا عماد رئيس ديوان أبي النور..رآه السيد أبو النور لا يرفع يده بالموافقة..فتبسم في وجهه ومد يده وأمسك بيده ورفع يدهما سويا..

إذا لنتحول لشؤون قريتنا.. ماذا جرى في شأن تخطيط حارات قريتنا يا أبا عماد.. ؟ كل الخير سيدي كان الرجال هنا البارحة طيلة النهار وقسموا أكثر مساحات القرية وكما أمرتم.. في كل حارة سيكون هناك مرافقها الخاصة وعدد لا يقل عن عشرة منازل سيدي.. ولكن متى سنبدأ فعليلا في بناء الحارات ؟ هذا يتوقف على عمل المخططون وإنتهائهم منه ثم ياتي دور الرسم الأولي للبناء..وهكذا..ليس قبل أسبوعين على الأقل.. تكلم أبو رمزي حينها..ذكرتموني بزمن الحارات زكبار الحارات..كان هذا قبل عشر أو خمسة عشر سنة فقط ..ونحن سنعيده سيد أبو رمزي..أظنه نظام إجتماعي يوثق علاقات الناس..ثم إن قريتنا على مساحتها ليست صغيرة ولا كبيرة لذلك كانت هذه الفكرة لنعمل على ربط الناس في كل الحارات بشيئ رئيسي يجمعهم.. أبقاك الله لنا سيدي كبيرا وذخرا لقريتنا..

سيدي ولكن ستواجهنا مشكلة كالوحدة الصحية مثلا هي واحدة في قريتنا..كذلك الحمام العام.. وبعض الدكاكين التي ليس لدينا منها اثنين..كل ذلك قد حسبت حسابه.. وفي التخطيط سيكون هناك سوق للقرية بكل حاراتها يضم الوحدة الصحية العامة والحمام العام وكذلك مسجد سوف يبنى فيها وسوق تمتلئ بتلك الدكاكين التي تقول يا شيخ نبيل.. ولكن سيدي بجوار الوحدة الصحية بيوت يسكنها أهالي كيف سنبني المسجد والسوق وهذه البيوت هكذا..اه..الآن حان موعد إجابتي على سؤالك يا أبا بشير..تذكر تلك المنازل التي بنيت العام الماضي على أطراف القرية وكنت تود معرفة سبب بنائها ولمن..هذه لأصحاب البيوت التي يتكلم عنهم الشيخ نبيل.. أعمر الله بيتك سيدي تخطط للأمر منذ زمن ولم تخبرنا..لا أريد أن أشغلكم معي بأمور أنتم في انشغال بأعمالكم عنها..

انتهت الجلسة بعد نقاشات في أمور عديدة.. وقبل الإنصراف..تكلم أبو فتحي صاحب المقهى الوحيد في القرية..الجميع مدعون لجلسة الحكواتي في القهوة الليلة سيحضر بعد ساعتين..والمفاجأة أنه من الشام بعثت وراءه لعلمي بمهارة أهل الشام في ذلك,لم أكن على علم بقرار ديوان الرئاسة ولكنه القدر..لتكن هذه السهرة أول الخيط في معرفتنا بهم و اتحادنا معهم.. في انتظاركم وكل ما تشتهونه من حلوى رضان ستكون في انتظاركم هي أيضا.. وداعا..

وخرج الجميع من يذهب لبيته ومن يسعى وراء عمله في دكانه حتى يحين موعد الحكواتي الشامي ليرو أول مرة في حياتهم أهل الشام هؤلاء..ا لسهرة الليلة ستكون شكلا آخر وطعما مختلف..

كانت الأوضاع فس الشام تملأها الفرحة والبهجة ..أفراح واحتفالات يقيمها الضباط الأحرار الذين سعو وراء الوحدة ..واللوحات القماشية تملأ الميادين والطرقات بعبارات كلها فرحة وسرور بهذه الوحدة العربية بين بلدتين شقيقتين لاقتا من الإستعمار ألوانا وأصناف من الإستبداد وضياع الحقوق.. عبارات مثل" وحدة أرض ووحدة دم" و " العرب قوة ما بتنهزم" و "مصر وسوريا يا بداية وحدة للأمة" ومثل هذه الكلمات..

الساعة الثانية فجرا أعلن كل من راديو مصر وسوريا بيانا فيه أن الرئيس السوري شكري القوتلي والوفد المرافق له سيلتقي بالرئيس جمال عبد الناصر ظهر الغد للإتفاق والتوقيع على بنود الوحدة وإعلانها رسميا..

كان خبرا أكيدا سمعه أهل قرية الدراويش وأهل مصر كاملة..ابتهجت له نفوس المصريين المحبين لوحدة الأمة والسوريون المحبون لمصر الذين سعوا للإنضمام معها تحت علم واحد مضحين بذلك بحلم الإستقلال الذي راودهم..

وفي إحدى ديار الشام القديمة..على مقربة من المسجد الاموي..دار أحد المشايخ الشباب..الشيخ علي الطنطاوي.. يجنمع هناك كثير من الناس..ما بين مشايخ وأدباء وأصدقاء للشيخ..كان اجتماعهم يومها سويا ..يستمعون لصوت العذوبة الذي ألقى البيان على مسامعهم..ثنوه بصوت عبد الحليم..فيومها سقطت موازين الحدود من كثرة الفرح.. صوت عبد الحليم في هدوء الليل يشدو بوطنيته المعهودة..

كل الأحاديث في كل المجالس السورية ومن يفقه أسرار الوحدة في مصر كانت تتحدث عن بسالة شكري القوتلي وتضحياته وسعيه الدؤوب وراء هذه الوحدة ..كانت جملته الشهيرة مكتوبة في كل مكان"إن سماء سوريا تأبى أن يرفع عليها لواء غير اللواء السوري إلا إن كان لواء الوحدة العربية" ..

أبهج هذا الخبر قلوب المصريين والسورين خاصة أهل قرية الدراوبش الذين انبسطت أساريرهم وملأهم الفرح بشدة بعدما عرفوه عن سوريا وأهلها.. وظل الجميع في انتظار الإتفاق بعد نهاية اللقاء المرتقب غدا فجرا بين الرئيسين ..القوتلي وعبد الناصر.. وطلعت شمس صباح ذاك اليوم أخيرا..25/يناير/1958م ..

انقضت صلاة الظهر..نشرات الاخبار الإذاعية تعلن وصول القوتلي قصر القبة ولقاءه بعبد الناصر وما يزال الإجتماع مغلقا..والكل ينتظر.. كان السيد أبو النور مجتمعا بكبار القرية في دار الضيافة يتحدثون وصوت الإذاعة إلى جوارهم ينتظرون شيئا عن هذا اللقاء..يتبادلون أمانيهم بنجاح اللقاء وخروج الرئيسين بنتيجة ترضي الجميع.. وظل هذا الإجتماع لساعت..وبعد انقضاءه بمده..جاء الخبر في الإذاعات العربية والدولية.. بوقيع اتفاق الوحدة العربية بين مصر وسوريا يحضر القوتلي والوفد المرافق ويرأسه جمال عبد الناصر.. ولم يخرج عن الديوان الجمهوري غير هذه الكلمات .. وإعلان بترقب لكلمة الرئيس للجمهورية المتحدة في الخامس من فبراير للشعب العربي المتحد .. فباتت الشعوب العربية تنتظر..وأهل قرية الدراويش كذلك..لكنهم ما زالوا يخشون تلك التغييرات والتوابع التي ستلحق بهذه الوحدة.. وفي نهاية الجلسة في دار الضيافة ..تكلم أبو عادل صاحب متجر الخضروات واللحم بالقرية وأحد كبارها..ربما تكون هذه الوحدة خطوتنا الأولى في الإستقلال بأرضنا وجلاء الإنجليز... ربما وكلنا يتمنى ذلك..

15 التعليقات:

عايش ولكن يقول...

اشمعنه انا
هحجز اول تعليق زى الناس التانيه ههههههه
ثوانى بقا اقرا وراجع

عايش ولكن يقول...

وحده .... للاسف يا فرحه ماتمت
الله يرحمه عبد الناصر
كان امنيته توحيد العرب بس للاسف كل واحد بيقول انا ومن بعدى الطوفان
ابدعت فى سرد الاحداث
فى انتظار القادم
علاء

Desert cat يقول...

كان قلبهم حاسس انهم عايشين فى عصر الانتكاسات علشان كدا كانوا يترقبوا الخطاب بتاع سيادته
متابعه مع اهل القرية لما نشوف
تحياتى

اجندا حمرا يقول...

عزيزي كاتب مصري

تحياتي لك و لكتاباتك
استمتعت بقراءه الحلقه الأولي و الثانيه من قصتك الجديده و في انتظار بقيه الحلقات
جميله مسأله استرجاع ايام زمان يمكن عشان ماعشناش الايام ديه فبنحاول نتعرف عليها من خلال القصص و الحكايات التي تروي
احيي موهبتك في الكتابه و في انتظار بقيه الحلقات
تحياتي لك

في حب مصر يقول...

مبدئيا الرواية جميلة ولكن دعنا ننتظر للنهاية
انا بعتبر نفسي احد الابناء الداعمين لسياسات الزعيم جمال عبدالناصر رحمه الله

تحياتي

Batoot_lasaBafakr يقول...

السلام عليكم
الروايه بديتها
حلوه بس
انا حبيت اقلكم كل سنه وانت طيب
بس مش بحب السياسه
او يعنى التكلم فيها
وبرضه اقلك انت كاتب بارع وربنا معاك
بس بحب الروايه تكون اخرها مفتوح
كا ودى لك

كاتب مصري يقول...

عايش ولكن..
ولو أن لي تحفظ في شيء مما قلت ولكن لك كل ودي تابعني وستجد ما يسرك بإذن الله..

قطة الصحراء..
يمكن انت فهمتي قصدي اني أجلت خطابه للمرة الجاية..هتعجبك الرواية ان شاء الله خاصة ان فيها تشويق وأحداث حامية قوي..تابعيني

أجندا حمرا
تحياتي لك وأشكرك بشدة على هذه الزيارة ..تابعيني وستعجبك الرواية كثيرا بإذن الله..

في حب مصر..
مبدئيا أهلا بيك وبرأيك في الرواية ولو أني لي تحفظ على جملة قلتها أنت ولكن الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.. تابعني وستجد ما يعجبك وبكل حيادية..

بطوط..
شكرا لك على الزيارة..على فكرة الرواية مش سياسية قوي دي تاريخية حجات خلصت خلاص بس بأركب عليها حياة ناس عشان أنا باحب الزمن ده قوي وبحب حكاية الوحدة..

كل ودي للجميع والف شكر على اهتمامك..تابعوني وأرجو أن لا تملو من طول الحلقات..رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير

شهرزاد يقول...

قصة جميلة تسلم ايديك
ومن المؤكد أنك على اطلاع بمجريات الأحداث في ذلك الوقت وعلى دراية بالوضع الاجتماعي وطريقة الحياة والمعيشة بين الناس

مجهود جميل
وتحياتي

سنووايت يقول...

يااااااااه
الحلقة دي رجعتني لأيام ما عشتهاش
اسلوب الكلام متقن جدا
مع اني تهت شوية في النقاش

حاسة ان كل دا لسة تقديم للاحداث الرئيسية
في انتظار باقي الحلقات

انى احبكم فى الله يقول...

المدونه جميله والتصميم جميل اوى والموضوع مكتوب باسلوب جميل تحياتى على المدونه بجد

غير معرف يقول...

السلام عليكم
معلش اتأخرت .....المهم انا متشوقة بصراحة اعرف الباقى وكمان لما يقرأها بحس انى بتفرج على صور عمالة تتحرك وسامعة واحد بيشرحلى ............المهم هى فعلا جميلة بس احتمال اتغيب واحتمال لأه عن باقى الحلقات عشان رمضان والعزومات وكدة يعنى ..........
نيرة احمد محمود

كاتب مصري يقول...

شهرزاد..
أتمنى أن ترتقي هذه الرواية لتكون عملا دراميا كما أنوي ..أشكر لك متابعتك ولا تطيلي الغيبة..

سنووايت..
دايما تخيلاتك بتبقى صح..فعلا دي لسة بداية للرواية حبيت أنقلكم لجو الحياة في الزمن ده..الحلقة الجاية هيحصل بأه أحداث وتغيرات كتيرة..
هتعجبك الجلقات الباقية ان شاء الله..

نيرة..
كل ودي..ولو إني مش عاوزك تغيبي بس حسب ظروفك بأه..إن شاء الله هأستنى تعليقاتك دايما..

أشكر لكم متابعتكم

ندا منير يقول...

عجبانى قوى الرواية دى واحلى ما فيها وصف لحياة ولفئة موجودة فى مصر
وانا عايزة اوضحلك حاجتين
ااولا انا كنت مشغولة اليومين اللى فاتوا مكنتش بعرف الاقى وقت اقعد على النت
ثانيا لما فتحت انهاردة الصبح كان عندى لخبطة ودخلت عشان اشوف الجزء التانى من الرواية مش لاقيتها ولسة شايفها دلوقتى
وهبقرا بقى الجزء التالت

yoyo يقول...

تقبل اسفى للتاخير فى الرد بس والله الوقت مشغول جدا

انا قرات الحلقتين وبجد مشاء الله عليك اسلوبك فى السرد روعة

القصة بتدل على انك عندك خليفة كبيرة اوى للاوضاع والاحوال فى الوقت دا مشاء الله تكتب وانها لوحة فنية تتحرك

انا فى انتظار جديدك

دمت دائما وابدا مبدعا
تحياتى
يويو

قهوة بالفانيليا - شيماء علي يقول...

تمت قراءة الحلقة الثانية :)
و انا في شوق الى ما يليها :)

 
') }else{document.write('') } }