حياة..مسلسل شتات / 6

انتهت المحاضرة..خرج يسير وحده متخفيا ..هربا من أي فتاة أتعسه القدر وعرفها..بعد أن حضر جلسة المسجد..وسمع كلام الحضور..أدار الحديث في رأسه..لأم ينتبه للمحاضرة بل جعل يفكر.. تغيرت نفسه أحس أن أهدافه وضيعة أمام ما يقول هؤلاء..هو لم يؤمن بعد بما يقولون ولا يفكر فيه كمنهج حياة أو سلوك..إنما ينظر لنفسه وغاياته.. أبعد أن كان ذاك الشاب العاقل..ينساق وراء أجواء الحياة المحيطة..أيترك صحة تفكير العقل ويمشي وراء تشويش المجتمع.. لم يجد ردا على أسئلة كثيرة دارت في ذهنه.. وعاد إلى البيت بعدما أنهكه التفكير..

أراح جسده على فراشه..لم يجد نفسه إلا على صوت هاتف المنزل يدق..أخبره أهله بأن أحدهم يريده على الهاتف..من أنا لم أعرف أحدا حتى يتصل علي..خشي أن تكون إحداهن ..لأكنه لم يعطهن رقم هاتف المنزل.. إذا من يكون ؟ ألو..سمع الصوت..أدرك من المتحدث فتذكر فورا أنه قد أعطى رقم هاتفه لمعتز أحد الذين كانوا في جلسة المسجد..ألشخص الذي حاكاه بالخصوص.. مرحبا.. أهلا وسهلا.. اليوم في نادي كذا..لأدينا احتفال أو قل مهرجان خيري.. ونريد حضورك..ولكن أنا لا أعرفكم..أقصد أنني لا أعرف أحدا..كيف أحضر..لا لا الأمر سهل جدا..ألمهرجان عام للجميع سيحضره الكثير من الناس..]مكنك أن تحضر أحدا معك إن شئت.. وليس ضروريا أن تقف معنا إن أتيت فقط احضر وكن من المدعوين .. حسنا..متى المهرجان هذا أو الحفل.. الساعة الثامنة والنصف في النادي كما قلت لك.. ها ستحضر.. سأحاول.. أراك بخير..وداعا.. رد عليه وعليكم السلام.. أحس بالحرج من نفسه فهو لم يلق السلام..يالله..أصبحت كثيرة الأمور التي تضيع مني..

فكر مليا.. الساعة الآن السادسة إلا الربع..آه وجدتها..لأيس أمامي سوا آية..أظن أنها لن تعارض الحضور معي.. ولكن كيف هي..ثم.. يالله..لن أخسر شيئا أجرب وافقت وافقت..حتى لا يظنون أني أتيت راض عن فكرتهم أو منضم إليهم..إنما تلبية للدعوة ليس إلا ولنرى ما يفعل هؤلاء وما يقولون..

اتصل بآية..حكى لها الموضوع..وعرض عليها الذهاب معه..ترددت لكنه حاول بكل الطرق إقناعها..حتى وافقت ..وتواعدا أن يتقابلا عند (كبري القطار) السابعة والنصف ليذهبا سويا..

أغلق الهاتف..كان متعجبا كثيرا..كيف تقتنع وتخرج مع شاب لا بعرفه..علاقتها به لم تتجاوز يوما ومشاجرة..ربما يكون هذا عاديا هنا..أصبحت أرى مصر هذه بعين أخرى غير تلك التي نشاهد في التلفاز..كنت أظنها أم الدنيا بحق.. لكنها..ويح نفسي..نعم هي أم الدنيا كيف لا وفيها من كل شيء..

قضى بعض أموره ..تناول غداءه..وتأهب للذهاب..أخبر أهله..وانصرف..وصل إلى (كوبري القطار) انتظرها كثيرا.. الثامنة وخمس دقائق وجدها حضرت.. كاد الغيظ يفتت أحشاءه..لم يقل شيئا ولم يسألها لم تأخرت..لأكنها بادرته بالحديث ..كيف حالك..اعذرني تأخرت قليلا..كانت خالتي عندنا ولم أستطع الخروج إلا بعدما ذهبت.. لا شيئ هيا لنذهب..هيا

سارا سويا..[دأت تحكي له عن يوميها..البارحة واليوم وبقية يوم مشاجرتهما..عاتبته برفق ..أباحت له بما في نفسها.. كنت اريد أن يكون لي صديق أو أخا أبثه أحلامي وآلامي..أتحدث إليه ويسمعني..ليس لدي إخوة أولاد..لم أخبرك أليس كذلك..حدسي عندما رأيتك جعلني أشعر أنك أنت من أبحث عنه..أمي لا تعارض هذه الفكرة.. ليكن في معلومك..هي تعلم تماما أننا سويا..حكيت لها عنك كل ما قلته لي وكل ما دار بيننا.. ظل يسمع ولا يتكلم..شيئ من كلامه يثير عجبه..وشيء آخر يثير إهتمامه..وحرف الراء ذاك الذي تنطقه لاما مدلله يثيره إعجابه ويحرك كوامن روحه..

وصلا النادي..وقفا على البوابة..طلبا منهما كروت الدعوة..ولكن ليس معنا..هل دعاكم أحد..نعم .. أه ..إذا الحل أن تدفع عن كل منكما جنيهان..بكل بساطة لا شيء..تفضل هذه أربع جنيهات..لأم تتكلم أو تحاول أن تخرج من حقيبة يدها شيئ..فقط ابتسمت له..

أخذا مكانهما بين الحاضرين..وبعد قليل بدأ المهرجان..آيات قرآنية تلتها أناشيد حماسية ومسرحيات قصيرة...

راح يشرد بفكره ويجول بخياله مع مشاهد الميرحية وكلمات الأناشيد.

.وفجأة يسقط على كوكب آخر ليرى نفسه يفكر في هبة وآية وحنان وإيمان.. لم تهدأ نفسه لحظة.. يشعر بشتات كبير بين ما كان عليه وبين تلك البزابتان اللتان فتحتا عليه .. هكذا حتى دعوهم للفقرة التالية.. صالة المعرض..

فتحت الصالة ..صور لسهداء فلسطين والإنتفاضة.. هنا عز الدين القسام..وهنام أحمد ياسين السيخ المرحوم.. و..و.. ظلا ينظران في هذه اللوحات..تصور هي بهاتفها المحمول وهو يتكلم إليها بصوت خافت عن كل صورة شيئا مما يعرفه..

عند إحدى اللوحات رآى أحدهم..عبد الرحمن الذي كان يدير الجلسة المسجدية..لم يكلمه وكأنه لم يره لكنه لم يمشي من امامه حتى تأكد أنه رآهما سويا ليرسل رسالته التي أساسا جاء بآية هذه معه من أجلها..

انقضى المعرض وخرجا سويا.. ركبا سيارة أجرة..أوصلها قبله بالتأكيد..قبل أن تنزل همسة في أذنه بكلمات قصيرة.. (كنت أتمنى أن أشعر تجاهك بمشاعر الصديق أو الأخ ..لكنني اليوم أرى في نفسي شيئا آخرا..أرجوك لا تتكلم اسمع فقط كي أستطيع إكمال حديثي..نعم ما أقوله صحيح..يوم أن حدث ما كانت هبة سببه تغير كل شيئ داخلي..كنت أبحث عن أخ ووجدته..ظننته كذلك لكنه كان شيئا آخر..) تكلم عندها مذهولا..ماذا حدث ماذا فعلت..أقسم اني لم أسئ لكِ.. لم أقل أنك أسأت إلي..لكن..لا أعرف..لإكر في كلامي هذا وأنتظر ما يوصلك إليه عقلك..نتحدث يوم السبت.. فتحت الباب بعد أن وقفت السيارة وخرجت مسرعة بعد أن تركته على نار وجمر..

هل سيصل لشيئ أم ينتظرها؟ هل ستخبره هي إن لم يعرف وحده؟ ربما..

يا ترى ماذا تقصد بتلك الكلمات..قنابل موقوته..ألقتها في أذنه ليصل إلى فراشه ..تنفجر طيلة الليل كلمة تلو الأخرى.. لا يجد معنى لما قالت.. أصبح تشويشه أكثر.. فكره لا يقف عند حد..ولا يرنكز في جهة معينة يغرب ويشرق.. وهو بين فكي الحيرة والإنتظار..

...حياة..حديث نفس/5

أصبح الموقف الآن معقدا بعض الشيئ.لا يعرف هادي ما الذي جعل آية تآخذه بهكذا أمر..ليس إلا معرفة يوم واحد.. بل ربما ساعات قليلة..حاول أن يجد مبررا لها لكنه عجز..ينتظر الحوار بينهما غدا..إن أتت أساسا..

قلب أوراقه..وجد يحث هبة يسكن في ملفه الخاص..يالله ..هو لا يضع هنا سوى أوراقه الخاصة الشديدة الأمية..تذكر الآن أنه قد كان يومها فرحا بنفسه قفد كلم فتاة وجها لوجه..بل وصافحته أيضا..لأذا أسكنه خصوصياته ..أخرجه فورا وهو يحدث نفسه..أعتقد أنه ليس مكانه المناسب ولن يكون يوما كذلك..

صورة الموقف مازالت ترتسم أمام مخيلته..وجه آية الذي انقلب لوحة ألوان ..برود هبة وكلماتها السخيفة التي أحرجته كثيرا..

يبدو أنني أخطأت الدخول إلى هذا العالم..تبدو تلك البوابة خطرة لا يمكن أن أكمل فيها.. ولكن كيف ؟أنسحب منها بهدوء دون أن أسيئ لأحد..بعد أن أسمع ما ستقوله آية ..لا بد أن أرسم لنفسي خط الرجعة.. يالله لن ألج بوابة بعد اليوم إلا بعد أن أعطيها حقنة إختبار لأرى هل تتناسب أجوائها معي أم أني سأغرق وأنا لم أبتعد عن الشاطئ كثيرا..

اضطر آسفا أن يقتص من وقته ليكتب بحث هبة..ليس عن رغبة منه ولا عن إعجاب بها..غطلاقا..إنما عن وعد وعدها إياه ..لا أكثر.. كتبه من ذاكرته..لم يراجع فيه كتبا أو حتى كلف نفسه مراجعة كتاب المنهج..الوحيد الذي اشتراه لكن يبدو أنه كان أمرا ثقيلا على نفسه..

الساعة الثالثة فجرا... لم يجد النعاس ليلتها سبيلا إلى أجفانه.. تقلب كثيرا على الفراش لكن الأرق قد اختاره الليلة كي ييجعل منه متكأ ومنزلا له.. قام من فراشه..توضأ..وبدأ يصلي ركعات يناجي فيها ربه.. اللهم إنك تعلم أين الخير لي فقدره ويسره لي..اللهم إني أعلم أنك لم تحبب مني ما فعلت فساعدني على الخروج منه دون أن أكون سببا في إحراج أحد أو إزعاجه..

جلس بعدها يتذكر حاله منذ أيام قليلة..لم يكن يعرف أحدا ولا يعرفه أحد..وكيف هو اليوم في شبكة فتيات معه أينما ذهب..إحداهن يرى أن نفسه تتوق لها..أو تشفق عليها..ولكن لم تشفق عليها..ربما يغالط نفسه..هو يرتاح إليها أكثر من أي أحد آخر.. طال حديثه لنفسه..لكنه توكل على الله تاركا أمره إليه..

ساعات قليلة كانت كفيلة بأن تخرج الشمس من خبائها ..قام فارتدى ملابسه..ألساعة السابعة والربع..ما يزال الوقت مبكرا... نزل إلى الشارع حاملا معه كشكوله الخاص وبحث هبة.. فكر قليلا أين يسير هذا الصباح..الملل يضاجع نفسه يكاد يختنق من الوحدة في غرفته...تذكر موعد محاضرته الأولى..العاشرة ..يالله بقيت ثلاث ساعات..هل أصعد ثانية وأعود لوكري أصارع الأفكار..أم ماذا أفعل؟

استقر بعد وقت أن يسير على قدمه ..منها أن يعرف شيئا في شوارع مدينته ومنها أن يقتل الوحدة والأفكار المزعجة تلك...بحث عن شيئ يعرفه كي يسير فيه ..وجد نفسه يعود مرة أخرى لشارع النيل..هو الذي يعرفه.. أخذ الطريق كاملا إلى الجامعة.. كلفه ذلك من وقته ساعة وربع الساعة.. يسير قليلا ويتكأ على السور حينا.. يناجي النيل ويحاكيه..يبث همه كأنما يغسل بماءه كوامن روحه ليبدأ يومه خالي الذهن والنفس..

وصل الكلية بعدها ..الساعة الثامنة وخمس وأربعون دقيقة..ساعة وربع على ميعاد المحاضرة الأولى.. اتجه إلى مكتبة الكلية..جلس هناك ..يراجع أيامه عندما كان في الإمارات..جلسته المحببة بين الكتب..كتب التراث والأدب والتاريخ..وراح يجوب بحورها تلك الساعة..حتى لم يعد متبقيا عن المحاضرة سوى دقائق..فقل ذاهبا إلى المدرج. دخل المدرج..لم يجد فيه كثير..فتيات يجلسن في أول (بنش) وأخريات في الوسط..وشاب وحيد يجلس في الخلف..يعد كثيرا بأن رآى شابا هنا..سيتحدث إليه ويعرفه..سيكون له صديق شاب ثاني.. يار حتى وصل إليه..وجده كما ر’ه أول مرة..قد اشتاقت خشبات (البنش) إليه فنام عليها..

خجل من أن يجلس وحده في المدرج وتلك الفتيات فيه..قم إنه لا يريد أن يضيق عليهم فيخفضوا أصواتهم .. سار خارجا يقف منتظرا وصول أحد الشباب كي يقف معه أو يتحدث إليه..إبراهيم أو غيره ممن يعرف أنهم في دفعته..يعرفهم كي يقسم بالله غير حانث لأهله أنه يعرف شبابا.. عندما وصل باب المدرج سمع صوتا أنثويا ينادي..التفت ليجدها إحداهن من الجالسات في الصف الأول.. رد نعم..هل من خدمة..فقالت(ممكن لو سمحت ثواني) على الرحب والسعة..(كان الدكتور وائل قلنا عليك قلنا لو كان عاوز حاجة ابقوا ادوهالوا فلو كنت عاوز حاجة احنا معانا رنا الي قاعدة هناك أهي ابقى بس تعالى اطلب ..ماشي بس أنا حبي أوصل الأمانة..تقدر تتفضل..) بكل سرور أشكرك ومن معك جميعا.. أنهى حديثه بابتسامة رقيقة..ثم خرج من المدرج يضرب كفا بكف..ماهذا لم أنا بالذات تحكي فلانة وعلانة معي.. ولم يوصي الدكتور وائل فتيات بي.. يالله..

كان يفكر متكأ على السور المطل على الدور الأرضي.. انتبه على يد تربت على كتبه..التفت..ليجدها هذه المرة..هبة..يالله..(مش وقتك خالص) مرحبا هبة..أحضرت لك البحث قبل موعده..احفظي هذا الجميل..تفضلي..وداعا.. لم يعطها فرصة للحديث تكلم كلامه سريعا وودعها وانصرف قبل أن تباردره بالد والمصافحة التي لا يحبها مع الفتيات..

ظل ينتظر حتى جاءت الدكنورة نورة..دخل المدرج..وعاد لمكانه الذي اعتاده..ظل يبحث عن آية..لم تأت بعد..بالله..ليس معه هاتف كي يتصل بها..ولو اتصل لن ترد..ما العمل.. لم ينتبه يومها للمحاضرة إطلاقا كان شارد الذهن منهك الجسد من ذاك المشوار الذي ساره صباحا دون أن يضع في فيه شيئا..

انتهت المحاضرة..خرج من المدرج..من الكلية كلها..ذهب إلى السنترال..اتصل بآية..ردت عليه..كلمها..لماذا لم تحضري..كان عندنا ضيوف من البارحة ولم أنم فلم أستطع الحضور..أعتذر..نكهة صوتها رائقة ..يبدو أن اختناقها قد انفك.. هل يمكنني التطفل بسؤال..(يا سلام أنت تؤمر)..هل أنت مزعجة مني..(لأ طبعا انت بتقول ايه..أنا بس حبيت أعلمك امبارح حاجة تعيش بيها حياتك وسط الناس دي..بس لكن أنا أزعل ليه ..مش احنا اصحاب..) رد وهو يبتسم..نعم بكل سرور يا آية.. ثم ودعها وتواعدا الحديث يوم السبت عندما تأتي..

عاد إلى الكلية..المحاضرة التالية بقي عليها ساعة واحدة..ذهب المسجد ليصلي الظهر.. صلى جماعة مع الناش.. بعدما أنهى الصلاة جاءه أحدهم يطلب منه أن يشاركهم جلسة تلاوة للقرآن وذكر لله..لم يعترض لكنه أخبره أنه سينصرف بعد بعض الوقت لمحاضرته.. جلس معهم..تعارفوا أولا بالأسماء والأقسام في الكلية..ُم بدؤوا التلاوة..وأعقبوها بالحديث في السيرة..ثم بدأ مدير الجلسة بالحديث في أمور متعلقة بسياسة الدولة والغختناق الذي يعاني منه الشعب ويدعوهم لمظاهرة نظمتها جماعة إسلامية طلابها في الجامعة..و..و..و..

لم يرق الكلام كثيرا له..فكر..من هؤلاء..؟ ماذا يقولون..هو يعرف الجماعات الإسلامية..يعرف أن منهم المعتدلون الداعون إلى الله على حق..ولكن من هؤلاء وما اتجاههم ..لا يعرف.. كلمه أحدهم شخصا بشخص..فحاول الغعتذار..ثم إنه قال عندما غلبه في الحديث إن كان لدي وقت أتيت.. ولما انصرف من المسجد..أكد في نفسه أنه لن يذهب..لأماذا؟لأن إصرار ذاك الذي كلمه أثار بنفسه الشك والظن..

عاد للمدرج..يكمل جزءا من حياته وسط عالمع الجدبد..مشوش الذهن بما حدث معه في المسجد..

فيا ترى..ما سر هذا الشخص الذي تحدث إليه في المسجد؟ وما حكاية تلك الفتاة التي عرضت عليه المساعدة بدعوى التوصية من الدكتور وائل..؟وما هي نهاية الموقف السخيف الذي يتمنى أن يكون انتهى باتصاله اليوم مع آية؟

 
') }else{document.write('') } }