انتهت المحاضرة..خرج يسير وحده متخفيا ..هربا من أي فتاة أتعسه القدر وعرفها..بعد أن حضر جلسة المسجد..وسمع كلام الحضور..أدار الحديث في رأسه..لأم ينتبه للمحاضرة بل جعل يفكر.. تغيرت نفسه أحس أن أهدافه وضيعة أمام ما يقول هؤلاء..هو لم يؤمن بعد بما يقولون ولا يفكر فيه كمنهج حياة أو سلوك..إنما ينظر لنفسه وغاياته.. أبعد أن كان ذاك الشاب العاقل..ينساق وراء أجواء الحياة المحيطة..أيترك صحة تفكير العقل ويمشي وراء تشويش المجتمع.. لم يجد ردا على أسئلة كثيرة دارت في ذهنه.. وعاد إلى البيت بعدما أنهكه التفكير..
أراح جسده على فراشه..لم يجد نفسه إلا على صوت هاتف المنزل يدق..أخبره أهله بأن أحدهم يريده على الهاتف..من أنا لم أعرف أحدا حتى يتصل علي..خشي أن تكون إحداهن ..لأكنه لم يعطهن رقم هاتف المنزل.. إذا من يكون ؟ ألو..سمع الصوت..أدرك من المتحدث فتذكر فورا أنه قد أعطى رقم هاتفه لمعتز أحد الذين كانوا في جلسة المسجد..ألشخص الذي حاكاه بالخصوص.. مرحبا.. أهلا وسهلا.. اليوم في نادي كذا..لأدينا احتفال أو قل مهرجان خيري.. ونريد حضورك..ولكن أنا لا أعرفكم..أقصد أنني لا أعرف أحدا..كيف أحضر..لا لا الأمر سهل جدا..ألمهرجان عام للجميع سيحضره الكثير من الناس..]مكنك أن تحضر أحدا معك إن شئت.. وليس ضروريا أن تقف معنا إن أتيت فقط احضر وكن من المدعوين .. حسنا..متى المهرجان هذا أو الحفل.. الساعة الثامنة والنصف في النادي كما قلت لك.. ها ستحضر.. سأحاول.. أراك بخير..وداعا.. رد عليه وعليكم السلام.. أحس بالحرج من نفسه فهو لم يلق السلام..يالله..أصبحت كثيرة الأمور التي تضيع مني..
فكر مليا.. الساعة الآن السادسة إلا الربع..آه وجدتها..لأيس أمامي سوا آية..أظن أنها لن تعارض الحضور معي.. ولكن كيف هي..ثم.. يالله..لن أخسر شيئا أجرب وافقت وافقت..حتى لا يظنون أني أتيت راض عن فكرتهم أو منضم إليهم..إنما تلبية للدعوة ليس إلا ولنرى ما يفعل هؤلاء وما يقولون..
اتصل بآية..حكى لها الموضوع..وعرض عليها الذهاب معه..ترددت لكنه حاول بكل الطرق إقناعها..حتى وافقت ..وتواعدا أن يتقابلا عند (كبري القطار) السابعة والنصف ليذهبا سويا..
أغلق الهاتف..كان متعجبا كثيرا..كيف تقتنع وتخرج مع شاب لا بعرفه..علاقتها به لم تتجاوز يوما ومشاجرة..ربما يكون هذا عاديا هنا..أصبحت أرى مصر هذه بعين أخرى غير تلك التي نشاهد في التلفاز..كنت أظنها أم الدنيا بحق.. لكنها..ويح نفسي..نعم هي أم الدنيا كيف لا وفيها من كل شيء..
قضى بعض أموره ..تناول غداءه..وتأهب للذهاب..أخبر أهله..وانصرف..وصل إلى (كوبري القطار) انتظرها كثيرا.. الثامنة وخمس دقائق وجدها حضرت.. كاد الغيظ يفتت أحشاءه..لم يقل شيئا ولم يسألها لم تأخرت..لأكنها بادرته بالحديث ..كيف حالك..اعذرني تأخرت قليلا..كانت خالتي عندنا ولم أستطع الخروج إلا بعدما ذهبت.. لا شيئ هيا لنذهب..هيا
سارا سويا..[دأت تحكي له عن يوميها..البارحة واليوم وبقية يوم مشاجرتهما..عاتبته برفق ..أباحت له بما في نفسها.. كنت اريد أن يكون لي صديق أو أخا أبثه أحلامي وآلامي..أتحدث إليه ويسمعني..ليس لدي إخوة أولاد..لم أخبرك أليس كذلك..حدسي عندما رأيتك جعلني أشعر أنك أنت من أبحث عنه..أمي لا تعارض هذه الفكرة.. ليكن في معلومك..هي تعلم تماما أننا سويا..حكيت لها عنك كل ما قلته لي وكل ما دار بيننا.. ظل يسمع ولا يتكلم..شيئ من كلامه يثير عجبه..وشيء آخر يثير إهتمامه..وحرف الراء ذاك الذي تنطقه لاما مدلله يثيره إعجابه ويحرك كوامن روحه..
وصلا النادي..وقفا على البوابة..طلبا منهما كروت الدعوة..ولكن ليس معنا..هل دعاكم أحد..نعم .. أه ..إذا الحل أن تدفع عن كل منكما جنيهان..بكل بساطة لا شيء..تفضل هذه أربع جنيهات..لأم تتكلم أو تحاول أن تخرج من حقيبة يدها شيئ..فقط ابتسمت له..
أخذا مكانهما بين الحاضرين..وبعد قليل بدأ المهرجان..آيات قرآنية تلتها أناشيد حماسية ومسرحيات قصيرة...
راح يشرد بفكره ويجول بخياله مع مشاهد الميرحية وكلمات الأناشيد.
.وفجأة يسقط على كوكب آخر ليرى نفسه يفكر في هبة وآية وحنان وإيمان.. لم تهدأ نفسه لحظة.. يشعر بشتات كبير بين ما كان عليه وبين تلك البزابتان اللتان فتحتا عليه .. هكذا حتى دعوهم للفقرة التالية.. صالة المعرض..
فتحت الصالة ..صور لسهداء فلسطين والإنتفاضة.. هنا عز الدين القسام..وهنام أحمد ياسين السيخ المرحوم.. و..و.. ظلا ينظران في هذه اللوحات..تصور هي بهاتفها المحمول وهو يتكلم إليها بصوت خافت عن كل صورة شيئا مما يعرفه..
عند إحدى اللوحات رآى أحدهم..عبد الرحمن الذي كان يدير الجلسة المسجدية..لم يكلمه وكأنه لم يره لكنه لم يمشي من امامه حتى تأكد أنه رآهما سويا ليرسل رسالته التي أساسا جاء بآية هذه معه من أجلها..
انقضى المعرض وخرجا سويا.. ركبا سيارة أجرة..أوصلها قبله بالتأكيد..قبل أن تنزل همسة في أذنه بكلمات قصيرة.. (كنت أتمنى أن أشعر تجاهك بمشاعر الصديق أو الأخ ..لكنني اليوم أرى في نفسي شيئا آخرا..أرجوك لا تتكلم اسمع فقط كي أستطيع إكمال حديثي..نعم ما أقوله صحيح..يوم أن حدث ما كانت هبة سببه تغير كل شيئ داخلي..كنت أبحث عن أخ ووجدته..ظننته كذلك لكنه كان شيئا آخر..) تكلم عندها مذهولا..ماذا حدث ماذا فعلت..أقسم اني لم أسئ لكِ.. لم أقل أنك أسأت إلي..لكن..لا أعرف..لإكر في كلامي هذا وأنتظر ما يوصلك إليه عقلك..نتحدث يوم السبت.. فتحت الباب بعد أن وقفت السيارة وخرجت مسرعة بعد أن تركته على نار وجمر..
هل سيصل لشيئ أم ينتظرها؟ هل ستخبره هي إن لم يعرف وحده؟ ربما..
يا ترى ماذا تقصد بتلك الكلمات..قنابل موقوته..ألقتها في أذنه ليصل إلى فراشه ..تنفجر طيلة الليل كلمة تلو الأخرى.. لا يجد معنى لما قالت.. أصبح تشويشه أكثر.. فكره لا يقف عند حد..ولا يرنكز في جهة معينة يغرب ويشرق.. وهو بين فكي الحيرة والإنتظار..