حياة..سفينة القدر/9

لم يعد أثر آية على نفس هادي أثرا عاديا..أصبحت شيئا روحيا يخالط نفسه..وبريقا جذابا يلمع أمام عينه.. شأنه شأن أي شاب تخبره فتاة أنها تحبه..يعيش في ارتباك لا يصدقه..كبف ولماذا أنا؟ هكذا كانت الخواطر تدور في نفسه..

مضى ذاك اليوم..غابت الراحة عن قلب آية يومين كاملين.. تنتظر هادي.. إن كان يحبها حقا ماذا جرى له..لم سكت ولم يحدثها؟ خافت كثيرا أن يكون ... أخذت على نفسها عهدا أن تتعامل معه شأنها شأن أي فتاة ..لا تحدثه في الأمر إلا إن كلمها فيه هو.. مع شدة هذا القرار على نفسها لكنها تريد أن تتأكد من مشاعره وتحفظ شيئا من ماء وجهها وكرامتها كما تقول.

تفاجأ هادي يوم السبت بإصدار إدارة الكلية جداول الإمتحانات وأرقام الجلوس..يالله لم يأخذ وقتا كي يؤهب نفسه..ضاعت الثلاثة اسابيع دون جدوى..بقي أسبوعين فقط عن الإمتحانات..أسبوع نهاية المحاضرات وأسبوع من المفترض أن يكون لإسترجاع ما كان من المقررات ليس مذاكرتها لأول مرة كما سيفعل هو..

فكر بينه وبين نفسه..هل أؤجل الإمتحانات..لا لن أفعل..لقد وعدت والدي أن أحصل على تقدير كيف لي أن أفعل ولم اذاكر شيئا.. أخيرا وصل لقرار مع نفسه.. لا بد أن أخبر به آية..

تقابلا عن السلم ..صعدا سويا المدرج ..آية سأطلب منك طلبا وبعده سأخبرك بشيئ أحب أن تعرفيه كي تريحي بالك.. بكل سرور تفضل هادي.. الأمر الأول هو أني قررت أن أعتكف مع نفسي هذين الأسبوعين أذاكر المناهج المقررة..سمعت أن المقررات تختصر في المحاضرات الأخيرة..سأذاكر ما أخذته منك بدأ من اليوم بعد أن أعود البيت وكل ما يقال في المحاضرات تنقليه ليه بالحرف ولو كان هناك أوراق أو مذكرات لن أوصيكي.. اتفقنا هادي أنت فقط أشر وأنا تحت الطوع.. جوزيتي خيرا حبيبتي..لأم تصدق نفسها من الكلمة..وقفت كالمسمار الذي ضربته المطرقة على رأسه فثبت مكانه لا يتحرك..هزها بيده وهو يضحك..اقترب من اذنها..نعم حبيبتي...أعلم أنك كنت تنتظرين هذه الكلمة..لا أريد أن تظني أنها من أجل المصلحة..لا والله ..هي من قلبي..وستعلمين هذا قريبا..كيف سأعرف أخبرني؟ تبسم إيتسامة عريضة وقال..غدا..وغدا لناظره قريب.. سأنتظر الغد هذا لأرى.. سأنتظره هادي..

انتهى اليوم..عاد هادي إلى المنزل..وبدأ في تنفيذ ما عاهد نفسه عليه.. بدأ بمادة وسائل الإعلام..لم برتح يومها إلا بعدما أنهى قريبا من نصف المنهج المقرر .. لم يجد نفسه أصلا حتى ينفض عنه غبار الإرهاق ليرتاح..فجأة وجد عيناه تتفتحان..ألشمس تملأ الغرفة..يبدو أن اليوم الجديد قد بدأ ..متى وكيف..هكذا..

ظل هادي على هذه الحال أسبةعين كاملين..تأتي له آية بما طلبه منها وتتواصل معه بالهاتف أيضا.. قربت هذه الفترة بينهما كثيرا وإن كان لا يذهب إلى الكلية..لأكن خدمتها إياه وتعبها كل يوم من أجله كان يرفعها في عينه..إلا جانب جمالها ورقتها الأشياء التي تدعوه لعشقها دون أي شيء..

بقي عن الإمتحان الأول..الترجمة..يومين لا أكثر..اتصل بها ..آية..سنتناول العشاء الليلة سويا.. لمك تصدق ما سمعت..سيرخ معها وحدهما.. خارج الكلية..تلك المرة عندما اصطحبها النادي كان لسبب..لكنه الآن يحبها.. حاولت أن تعتذر محتجة أنه لا بد أن يذاكر كثيرا الإمتحان بعد يومين..لكنه أخبرها أنه لم يبق له كثيرا وسينهيه.. وافقت أخيرا وتواعدا على المكان..قليل من الوقت وكانا سويا..

اطلبي المكان الذي تشائين أن نذهب إليه.. لا لن أطلب أنت وحدودك في هذه الليلة فقط ..بعد ذلك سأختار أنا..أريد أن أعرف ذوقك..ولا اريد أن أكلفك أكثر مما يحمله جيبك..َحك ثم اصطحبها وسارا سويا إلى أحد المطاعم...

طلب كل منهما ما يشاء من النادل.. جاء الطلب..بدآ يأكلان وراحا يتحدثان سويا في كل ما يخطر ببالهما.. وفجأة وجد صوتا يناديه..هادي أنت هادي أنت هنا..مرحبا.. أحد الشباب الذين دعوه للنادي..حاول أن يتصنع أنه لم يسمعه ولم يلق انتباها لكنه جاء إليه وكلمه وهو معها.. لم يجد بدا من الرد عليه.. وقتها تغيرت الملامح على وجه آية..وشعر هو بالإحراج كثيرا.. راح ذاك يكلمه ولم يأبه بها ولم يعتذر منه حتى..أخبره بمسيرة لهم في حرم الجامعة ضد الغحتلال الصهيوني وطلب منه الحضور و..و.. ثم ودعه وراح بعيدا..

لم يرق الموقف لآية أبدا..تضجرت منه..لم تكمل أكلها..ظهر ذلك على وجهه لكنها لم تتكلم وانتظرت ما سيقول..سألها ما رأيها؟ تكلمت متفاجأة من سؤاله وهي تحمل حقيبتها وكأنها تتأهب للذهاب..إن كنت تريد أن تسير مع هؤلاء فأظنك لا حاجة لك في.. تريد أن تكون معه أنت حر..أما أنا فلن ولن أكون..مسيرة..أنا أسير في مسيرة..لم؟ ليس لي أهل يخافون علي؟

ثم قامت لتهب وهي منزعجة..أمسكها من يدها ..قفي ..ماذا تريد..لم تأتي هنا وحدك..المفترض انك مع رجل..أظن ذلك..أم أنك لديك رأي آخر ثم أننا لم ننهي حديثنا.. تأففت..ووقفت مكانها..

أحرقت له فرحته بهذه الحركة..رمى من يده منديلا كان معه..تأفف هو أيضا متضجرا ثم قام وسار وهي وراءه دون أن يحاكيها أو تحاكيه..حاسب على الأكل الذي لم يتناولا منه إلا القيل جدا..خرجا من المطعم ..أوقف سيارة أجرة .. أوصلها إلى المنزل ولم يتكلما ولا بكلمة..وعندما خرجت من السيارة تركت له شيئا مما دفعه في المطعم ثمنا لما كان من نصيبها وحاسبت السائق..وراح مسرعة كي لا يرجعه لها..

أحرقت هذه الحركة أيضا نفسه.. شعر بوخزة تطعنه في قلبه ..سار السائق.. سمعه السائق يتأفف وكأنه يأن..حاول التحدث معه وسؤاله لكنه صرخ فيه..قف هنا بسرعة..هي حاسبتك أليس كذلك..سأنزل هنا ..وترك باب السيارة مفتوحا وراح يسير في هذا الليل وحده ..سيعود للبيت سيرا في هذا الشتاء..يبدو أنها ستمطر..يالله ..الأمر تدهور بكل المقاييس ..من ساعة واحد كنت سأطير من السعادة..

وصل البيت في الواحدة والنصف يعتصر ماءا..وقلبه يعتصر ألما..فماذا يا ترى سيكون؟

حياة..خفقات قلب/8

انتهت زيارة آية بعد أن اطمأنت على صحة هادي وأخبرته أخيرا بتفسير كلماتها..ونطقت بما يكنه قلبها له.. هي تفكر الآن أنها بذلك فتحت بوابة السعادة الغامرة على قلب هادي..تظن أنه كان ينتظر تلك الكلمات أو أنه لم يدعها مثلا للذهاب معه للمهرجان..بضع أشياء جعلتها تتوهم هذا..لكن الأمر في نفس هادي على خلاف هذا تماما..

هو يؤمن بالخب وجماله..يؤمن بحيوية الحياة فيه..لكنه لا يريد حيوية جديدة تكتب عليه السكون بعد ذلك..لا يريد ألما جديدا كذاك الذي فعلته به من كان يحب قبل اليوم.. كذلك هو لا يعترف بالحب مرتين في حياة واحدة لقلبين.. الحب مرة واحدة لقلب واحد فقط..أو أكون خائنا لمن كنت أدعي حبها..يصور لنفسه الأمر صعبا حتى لا ينساق وراءه ويسقط في شباكه ..يسير على نهج الحذر.. لكن قلب هادي مازال شابا وهي فتاة رقيقة ناعمة العود.. يعلوها حسن وجهها وجمال مشيتها و..و.. ,كل ذلك راح يتصارع أمام الممنوعات التي يمكن أن تسحبه من جولة الحرب هذه..فمن ينتصر؟

بعد يوم .. كتب الطبيب له فسحا بالخروج من المستشفى.. وجاء وقت خروجه..أخوه واقف يخرج معه وهو متكأ عليه يسانده ..وآية تقف عن قرب ترقبه وهو يسير..لم تستطع أن تفعل شيئا سوى أنها أشارت إليه أنها ستتصل به .. وعاد إلى منزله ثانية لكن لراحة تدوم ثلاثة أيام.. بقية الأسبوع سيقضيها في البيت أيضا يالله ..ولكن لابد من هذا

لم يعلم أحد من زملاءه بالحكاية سوى آية.. وفضلت أن تكتم عليها ..لا تريد أن يزوره أحد سواها.. هو في البيت لا تستطيع فعل شيئ إلا إن اتصل هو..فهي تخشى إن اتصلت به أن يرد أحد سواه وتسبب له حرجا..

لم يتصل لمدة يومين كاملين..قلقت عليه..خشيت أن يكون شيئا آخر أصابه..وبعد اليومين..اتصل بها أخيرا.. مرحبا آية كيف حالك؟ معذرة تأخرت في الإتصال ولكنني كنت متعب قليلا ولم أستطع القيام إلا الآن .. لا شيء.. المهم..كيف هي صحتك الآن..بخير والحمد الله.. اه..ثم سكتت قليلا..لم لا تتكلمي قد اتصلت لأسمعك.. قد سمعت ما قلته لك في المستشفى..المفترض أن ترد , إن لم يكن لديك رد ..لابأس أنتظر وقتا آخر ..أو إن كان ردا مفرحا فقله..وإلا فأغلق الهاتف ولا تتحدث وسأفهم وحدي..وأعدك إن فعلتها ألا أعاودك الحديث في الأمر ثانية.. قاطعها..بهدوء بهدوء..لأم كل هذه السرعة في الحديث تكلمتي مئة جملة في ثوان قليلة.. ضحك ضحكة خفيفة ..تكلم بعدها..وأنا أيضا ربما يكون قلبي قد شعر أنه يحبك وكذيته..كنت أريد كما قلتِ أن تكون علاقة صداقة وأخوة ..لكنني أجزم لكِ أنه لا صداقة ولا أخوة بين شاب وفتاة أغراب في مثل سننا هذا.. لذلك..فــ ..فـ..

الأمر واضح.. فـأنا أيضا أبادلك شعورك الجميل..وأحبك يا آية..نعم أحـــــــــــــــبــــــــــــــــــــك فعلا.. طارت من السعادة..وعلت ضحكاتها ..ثم أغلقت الهاتف دون كلام فقد شعرت بارتباك لم تستطع معه الحديث..

وعاد هو لفراشه كي يريح جسده ويرهق تفكيره..

جعل يسأل نفسه..لأم قلت لها هذه الكلمة؟ قد كنت عزمت على غير ذلك فما الذي بدل الأمر..؟ أحرجتك بسؤالها..أم أشفقت عليها..أم أنك تحبها حقا؟ يبدو أن شباك الحب قد اصطادتك فريسة مرة أخرى..يالك من فتاة شقية يا آية .. ليس لها ذنب أبدا..ألأمر كله بيدك..أنت سمح لها بالحديث معك بداية الأمر..أنت المخطئ..وعليك أن تحتمل ما وراء هذه الكلمة من متاعب ونظرات وتعليقات..فالحب سلاح حتما قاتلُ ُ صاحبه..

بقي في الأسبوع يوم واحد..يوم الخميس..أصر وأقنع أهله أن ينزل الكلية بعد جدال طويل..وها هو على بوابة الكلية..ذهب من أجل آية فقط..مع أنه ما زال يشعر بدوار.. الشوق جذبه والحنين أرقه..تستحق آية كل هذا..جمال ورقة و..و.. ثم إنها تحبه كذلك..

صعد المدرج..دخل إليه..لما رأته عن بعد..كانت مفاجأة سارة جدا..قامت إليه وساندته حتى وصل مكانه المعتاد.. لمحتهم هبة ورفاقها ..جاءت لتسلم..مرحبا كيف حالك يا هادي..ردت آية بخير والحمد لله لكنه متعب قليلا..مختنق ويريد هواء.. أحقا أنت متعب يا هادي.. لم يرد جوابا وعيناه تبتعدان تماما عن هبة.. لا يريد أن تحرجه بنظراتها تلك.. سلمت عليه دون مصافحة طبعا..وكذلك إيمان وحنان.. وذهبوا بعيدا..

أرأيت يا حنان كيف تتعامل هذه القردة مع هادي..؟ كيف ترد عنه وهو لا يتكلم؟ انظري كيف تجلس معه..لا تبتعد عنه مليمتر واحد وليس مئة متر كما كانت تدعي( "في سخرية منها"أنا مقدرش أكلم ولد إلا وبيني وبينه ميت متر) ..شعرتا بغيرة تقطع أحشاء هبة..فأخذتاها بعيدا..وهي تتوعد لهما ..

انتهت المحاضرة ولم ينطق هادي بكلمة واحدة..خرجا سويا تسانده هي ..بدأ يتكلم بصوت خافت.. لم آت الكلية اليوم إلا من أجلك أنتِ.. تستطيعين أن تقولي أني فعلا متعلق بكِ..وقبل أن تخبريني..كنت أفكر فيكِ كثيرا..كان هاجسك لا يفارقني..كنت أتصارع مع نفسي أخبرك أم لا.. كنت في حيرة مازات تقاتلني إلى الآن لكنها استقرت قليلا.. رفعت يدها عنه عندما سمعت كلامه..ما زات تقاتلك حتة الآن..ماذا تعني بهذه الكلمات يا هادي.. لم يسمح له الوقت بالرد عليها.. وجدته يهتز وما لبث أن سقط أرضا من شدة الدوار الذي برأسه..

طلبت المساعدة من الشباب الموجودين في الكلية.. ساندوه..همس في أذنها أريد أن أعود إلى البيت ويوم السبت نكمل..سأكون في راحة بإذن الله تسمح لنا بالتحدث.. طلبت منهم مساعدتها في إيقاف سيارة أجرة وأن يرافقها معه اثنين يعينانه على صعود المنزل وتنتظرهم هي كي لا تسبب له حرجا.. وهذا ما كان..

لم تكمل هي أيضا اليوم..فقد اكتأبت من كلمته تلك..ُ ثم إن أعصابها لم تعد تتحمل بعد أن رأته يسقط أمام عينها.. يبدو أن الأمر ليس سهلا وأن آية شوط جديد في حياة هادي مختلف عن كل شيء.. هل سيبقى على كلامه معها.. أم أن هواجسه ستصارعه فتكسبه..أم أن هؤلاء شباب المسجد الذين دعوه للمهرجان سيؤثرون عليه.. وآية موجودة ربما لا يكون ذلك..

استراحة واعتذار

أعتذر لكم قراء مدونتي الأكارم على التأخر في الحلقة الثامنة من الرواية (حياة بنكهة أخرى) وذلك لظروف طارئة , وأعدكم أن تكون الحلقتين الثامنة والتاسعة على صفحة المدونة غدا بإذن الله قبيل الظهر..

آمل ألا يجد السأم طريقه لقلوبكم وأن تتابعوا معي أحداث هذه الرواية ..هي شيقة وحتما ستروق لكم بإذن الله إن لم يخيبني ظني.. كما أتمنى أن تتابعوا الأخت الصغرى لـ(كـني أتكلم) "أوراق وأسرار" على الرابط المبين في التنويه بالشريط الجانبي للمدونة..

كل ودي ..ومعذرة مرة أخرى على التأخير..مع خالص تحياتي وامتناني لكل من يتابعني.. كاتب مصري

 
') }else{document.write('') } }